أزمور بين التهميش وصمت المنتخبين… جوهرة تاريخية تغرق في الإهمال

Capture d’écran 2026-03-10 115829

تقف مدينة أزمور بإقليم الجديدة، التي تمتد جذورها الحضارية على ضفاف نهر أم الربيع وتطل على المحيط الأطلسي، اليوم عند منعرج حاسم في تاريخها الحديث. فبالرغم من موقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق الذي يمتد لقرون، إلا أن المدينة تعيش مرحلة من التهميش الواضح والإهمال المتواصل على مستوى المرافق العمومية، الخدمات اليومية، والبنية التحتية، في مشهد يثير استفهامات حول أداء المنتخبين المحليين والسلطات المعنية.

أزمور ليست مجرد مدينة عادية؛ فهي واحدة من أقدم الحواضر المغربية، ارتبطت عبر التاريخ بتعاقب الحضارات من الفينيقيين إلى البرتغاليين، وتمتاز بتراث معماري وثقافي غني. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها من الوجهات السياحية المحتملة بفضل الطبيعة الخلابة لنهر أم الربيع والمحيط الأطلسي وما يصاحبها من مناخ معتدل وجاذبية بيئية.

لكن واقع الحال يعكس تباينًا صارخًا بين الإمكانات غير المستغلة والواقع التنموي المتراجع. فبدل أن تستفيد المدينة من هذا الإرث والموارد الفريدة، تبدو اليوم أزمور خارج خارطة التنمية الحقيقية، ووجهة مهملة في سياسات الاستثمار والبناء.

من بين أبرز مظاهر التهميش التي يشكو منها المواطنون وضعية كورنيش واد أم الربيع، الذي كان يومًا ما من أهم الفضاءات الطبيعية والترفيهية في المدينة. في الوقت الذي ينتظر فيه السكان تطوير هذا الفضاء ليكون متنفسًا بيئيًا وحديقة طبيعية، يشهد الكورنيش اليوم تدهورًا واضحًا في صيانته واهتمامه، مع انتشار النفايات وتراجع جودة المرافق الترفيهية والبنيات الأساسية.

كما أُشير في تقارير محلية متعددة إلى تعثر مشاريع أخرى مثل إعادة تأهيل المدينة العتيقة، مدخل المدينة، توسيع كورنيش الواد وتمديده إلى مناطق مجاورة، إصلاح شبكة الإنارة، وإحداث ملاعب للقرب، التي كلها ظلت معلقة أو متعثرة دون تفسير واضح لسبب التأخير.

وسط هذا الواقع، يتساءل السكان باستياء: أين هم المنتخبون المسؤولون عن تفعيل المشاريع؟ ولماذا لا تتحول الوعود المزمنة إلى إنجازات ملموسة؟. هذه الأسئلة تتردد في المقاهي والأزقة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، في ظل ما يبدو كـ صمت رسمي أو غياب فعلي للمساءلة المحلية.

فبينما تُعلن بعض الجهات عن مشاريع سياحية مستقبلية على الضفة المقابلة لأزمور، مثل مشروع كورنيش سياحي جديد في منطقة سيدي علي بن حمدوش يتضمن مسارات للدراجات ومساحات خضراء ومرافق ترفيهية، يبقى تنفيذها بطيئًا ولم يرَ النور بعد بالشكل المنتظر.

لا يقتصر أثر هذا التهميش على جمالية المدينة فقط، بل يمتد ليطال جودة الحياة اليومية لسكان أزمور. فالإهمال في البنية التحتية يخفض من مستوى الخدمات الأساسية، ويعيق تنمية فرص الشغل لدى الشباب، ويحد من إمكانات المدينة كوجهة سياحية واستثمارية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى دعم متوازن يلمس حياة الناس ويترك أثرًا إيجابيًا.

تخرج هيئات من المجتمع المدني والفاعلون المحليون بين الحين والآخر مطالبين بـ إنقاذ المدينة من التهميش والإقصاء، وتحقيق رؤية تنموية واقعية تعيد الاعتبار لأزمور، وتضعها ضمن المشاريع الوطنية الكبرى بدل أن تبقى “جوهرة منسية” على الضفاف.

وفي سياق مطالب العدالة المكانية والتنموية، تم تنظيم فعاليات ومسارات تشاورية بين المجتمع المدني والسلطات لتحديد أولويات الاستثمارات، بما في ذلك ترميم وتوسيع الكورنيش، تأهيل المدينة العتيقة، وتنشيط النشاط الاقتصادي بأزمور.

يبقى السؤال الأكبر: هل ستتحرك السلطات و الهيئات المنتخبة والمسؤولين لتحويل الوعود إلى مشاريع حقيقية؟ أم ستظل أزمور عالقة بين إرثها الحضاري الجميل وبين واقع تنموي متراجع؟.
ما هو مؤكد أن المدينة لا تفتقر إلى الإمكانات أو الجاذبية فقط، بل تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، استثمارات فعالة، ومتابعة دائمة للمشاريع لضمان أن يعود الفضاء العام إلى ساكنته كما كان، وأن تستعيد أزمور بريقها وترفع من جودة حياة مواطنيها.

أزمور، بما تحمله من تاريخ وثقافة وجمال طبيعي، تستحق اهتمامًا أكبر على مستوى التخطيط والتنمية. التهميش الذي يعاني منه العديد من مرافقها وفضاءاتها ليس مجرد إهمال جمالي، بل رسالة أن على المنتخبين والحكومة أن يضعوا المدينة في صلب المشاريع التنموية الحقيقية، بدلًا من اعتبارها صفحة تُذكر فقط في الكتب التاريخية.

فالتنمية الحقيقية لا تتحقق بمجرد وعود أو تصريحات، بل بتنفيذ مشاريع ملموسة تؤثر في حياة الناس، وتعيد للأماكن روحها وقيمتها.

About The Author