#إقليم_الجديدة: “بقرة” الاقتصاد الوطني تُحلب في الدار البيضاء… ومفارقة جبائية تُفقد المدينة حقوقها

648892918_1734347281019441_6385530204570666345_n

بينما تمتد أعمدة الدخان في سماء الجرف الأصفر معلنةً قوة الصناعة الثقيلة، وتتحرك رافعات الموانئ في الجديدة لرسم ملامح السيادة الطاقية والغذائية للمملكة، تُحوَّل العائدات الضريبية الضخمة التي يولّدها هذا النشاط الاقتصادي نحو مكاتب مكيفة في أحياء راقية بالدار البيضاء. هنا يتجلى أحد أبلغ التناقضات في هندسة التنمية بالمغرب: إقليم يحتضن الإنتاج والتحديات البيئية، بينما تُنسب عائداته إلى مقرات شركات لا وجود لها سوى في العاصمة الاقتصادية.

قلب النشاط الوطني… وغياب مردود محلي

في إقليم الجديدة ووحداته الترابية المجاورة، تنتظم مصانع كبرى، محطات طاقة، مناطق لوجستية وموانئ حيوية تُعدّ من أعمدة الاقتصاد الوطني. من مصانع المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، إلى عمليات Taqa Morocco للطاقة، إضافة إلى الميناء الصناعي في الجرف الأصفر الذي يلعب دورًا حيويًا في أسواق التصدير الوطني والدولي، يكوّن هذا الحزام الصناعي واحة إنتاجية غير مسبوقة.

ومع ذلك، فإن أغلب المقرات الاجتماعية لهذه الشركات مُسجلة في أحياء مثل أنفا وسيدي معروف في الدار البيضاء، وهو ما يُسجل العائدات الضريبية لصالح تلك المناطق، في حين يبقى الإقليم الذي يُنتج الثروة لا يرى منها سوى أثقال النشاط، من ضغط على البنى التحتية، وتحديات بيئية وصحية واقتصادية محسوسة.

النزوح الجبائي… أزمة جديدة في العدالة المجالية

هذا الواقع يُترجم ما يمكن تسميته بـ “النزوح الجبائي القسري”: حيث تهاجر العائدات الضريبية من الأرض التي أنجبها النشاط الاقتصادي، إلى أماكن بعيدة جغرافيًا، تحت ذريعة المقر الاجتماعي للشركات، بدل ربط الجباية بموقع الإنتاج الفعلي. وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول العدالة الجبائية والمجالية:

كيف تتحمل مدينة كل أعباء الإنتاج – من تلوث، ضغط على الطرق، نمو سكاني واحتياجات خدماتية – بينما تجني مدن أخرى عائدات تلك الثروات؟

هذه ليست مسألة حسابات تقنية في دفاتر الميزانيات، بل أثر اقتصادي واجتماعي ملموس يشعر به المواطن في كل شارع وحي من أحياء الإقليم.

تبعات بيئية وخدماتية تتحمل ثمنها المدينة

ليس الحديث عن أرقام في تقارير رسمية، بل عن واقع معاش:

  • الطرق القروية والحضرية التي تنهكها حركة الشاحنات الثقيلة، وتحتاج إلى صيانة متكررة وتطوير.

  • الخدمات الصحية والبيئية التي تتحمل تبعات تلوث الهواء والمياه الناتج عن الأنشطة الصناعية.

  • الضغط على الخدمات الأساسية كالنقل، النظافة، السكن، في بيئة حضرية تشهد توسعاً متسارعاً.

كل هذا يُضاف إلى شعور عام بعدم تكافؤ الفرص التنموية بين المدن التي تُنتج، وتلك التي “تحصد” فعليًا عائدات الإنتاج.

الجديدة لا تطالب بالصدقات… بل بحقها في ثروتها

إن ما يطالب به سكان إقليم الجديدة ليس مساعدات تُقدَّم من باب العطف، ولا مشاريع معزولة هنا وهناك، بل حق في عائدات الثروة التي تُنتَج فوق أراضيهم. الإصلاح المطلوب ليس إصلاحًا تقنياً فحسب، بل قرارًا سياسياً يربط النظام الجبائي بواقع الإنتاج الفعلي ويضمن استفادة الجماعات الترابية المحتضنة للمشاريع الكبرى من حصص عادلة تُوظَّف في:

  • تحسين البنى التحتية.

  • دعم الخدمات الاجتماعية والصحية.

  • خلق فرص تشغيل مستقبلية.

  • تمويل مشاريع تنموية محلية.

إن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار مفارقة الاقتصاد المغربي: مدن تنتج، ومدن تحصد، وشعب يتحمّل التكاليف بينما يستفيد آخرون من الأرباح. وهذا ليس فقط خللاً في الميزانيات، بل خلل في عدالة التنمية ومستقبل المغرب الذي يطمح إلى تنمية شاملة لا تترك أحدًا خلف الركب.

نحو نموذج تنموي جديد

إن إنصاف إقليم الجديدة لا يعني فقط تغيير إحصاءات مالية، بل إعادة رسم خارطة التنمية الجهوية بحيث تعكس مكان الإنتاج والمساهمة الاقتصادية الحقيقية. التنمية المستدامة ليست مجرد أرقام في تقارير سنوية، بل تحسين ملموس في جودة الحياة لمواطني الإقليم الذي يُنتج ويَقِف خلف ثروات الوطن.

وإذا استمر الوضع كما هو، فإن الهوة التنموية بين الأقاليم سوف تتسع، بينما ستبقى الجديدة وما حولها — تلك “البقرة الاقتصادية” — تُحلب في الدار البيضاء، لكن دون أن ترى ثمار إنتاجها في أرضها وبين أهلها.

About The Author