“الأحرار” وهندسة الاستمرارية.. زحف تنظيمي مبكر نحو ريادة 2026
في محطة سياسية فارقة تتجاوز حدود اللقاءات الحزبية الروتينية، اختار محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، جهة فاس-مكناس ليطلق منها رسائل “إعادة التموضع” وتثبيت الأركان. اللقاء لم يكن مجرد تجميع للمناضلين، بل بدا كإعلان رسمي عن دخول الحزب مرحلة “الاستعداد الميداني المبكر” لاستحقاقات 2026، مؤكداً أن “الحمامة” لا تنتظر المواسم الانتخابية لتحلق، بل تبني أعشاشها في عمق الميدان.
مدرسة الإنصات.. كسر المركزية الحزبية
اعتمد اللقاء الجهوي بفاس-مكناس فلسفة “القرب التنظيمي”، حيث سعى شوكي إلى تكريس نموذج جديد للقيادة يقطع مع الخطاب المركزي التقليدي. ومنذ توليه رئاسة الحزب في سياق تنظيمي خاص عقب المؤتمر الاستثنائي، يراهن شوكي على “التعبئة الجماعية” كخيار وحيد لمواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى للمملكة.
وقد شدد رئيس الحزب على أن هذه الجهة تمثل “خزان الكفاءات” والعمق الاستراتيجي للأحرار، داعياً المنتخبين والأطر إلى التحلي بالانضباط والالتزام، لترسيخ صورة الحزب كقوة سياسية لا تنفصل عن نبض الشارع وانتظاراته.
اختبار التماسك.. ما بعد المرحلة الانتقالية
حملت كواليس اللقاء جواباً غير مباشر على تساؤلات المرحلة: هل أحدث تغيير القيادة ارتباكاً؟ الجواب جاء ميدانياً عبر “إجماع تنظيمي” التفّ حول القيادة الجديدة. وبحسب مصادر حزبية، فإن القاعدة الانتخابية للأحرار أظهرت تماسكاً لافتاً، مع تدفق دماء جديدة من فئة الشباب والمنتخبين المحليين، مما يعزز فرضية “الاستمرارية” في النتائج الإيجابية التي تحققت في سبتمبر 2021.
خارطة طريق 2026.. زحف تنظيمي صامت
أعلن محمد شوكي بوضوح أن عام 2026 لن يكون سنة انتخابات فحسب، بل هو تتويج لمسار من التواصل المكثف. وضمن هذا المخطط، تأتي “الجولات الرمضانية” (التي شملت الداخلة والرباط وفاس) كمنصات للحوار المفتوح وتقييم الأداء. الهدف المعلن هو “شحن البطاريات التنظيمية” واستقطاب طاقات جديدة تضمن بقاء الحزب في الصدارة.
قوة التعدد: يرتكز الحزب في تحركاته على شبكة عنكبوتية تضم 17 تنظيماً موازياً، تغطي المهنيين، النساء، الشباب، والأطر، مما يجعله حاضراً في مختلف مفاصل المجتمع المغربي.
ردود قوية على “المشككين”
بلهجة حازمة، تصدى شوكي للإشاعات التي تتحدث عن تصدعات داخلية، واصفاً الحزب بأنه “كائن سياسي حي يجدد دماءه”. وأكد أن منطق “توريث المناصب” قد انتهى، ليحل محله منطق “تداول المسؤولية” وتخليق الحياة السياسية، تماشياً مع التوجيهات الملكية السامية، مشيراً إلى أن “المناصب زائلة والعمل البناء هو الأبقى”.
فاس-مكناس.. “الترمومتر” السياسي
لم يكن اختيار هذه الجهة صدفة؛ فهي “مختبر” حقيقي لقياس مدى نجاح السياسات الحزبية والعمومية. اللقاء شهد نقاشات صريحة حول تحديات التدبير المحلي، مما يعكس وعي القيادة بأن الحفاظ على الريادة يتطلب مجهوداً مضاعفاً في الجهات ذات الثقل الانتخابي والسياسي الوازن.
يتحرك “الأحرار” اليوم بعقلية “السباق مع الزمن”. الرسالة من فاس كانت واضحة للخصوم والحلفاء على حد سواء: الحزب في حالة استنفار تنظيمي دائم، يراهن على العمل الميداني الصامت والشبكات الموازية القوية لضمان العبور الآمن نحو 2026.
