الجديدة… الجوهرة الأطلسية التي أسرت أنظار الإعلام الدولي: بين التاريخ البرتغالي وسؤال التنمية المحلية
في لحظة لافتة تعكس البعد العالمي لجاذبية المدن المغربية، خصّت صحيفة Le Figaro الفرنسية مدينة الجديدة بتقرير موسّع وصفها فيه بـ”الجوهرة المحفوظة بين المحيط والماضي”، مشيدة بجمالها الساحر وتاريخها العريق الذي يجمع بين الأصالة المغربية والهوية البرتغالية الضاربة في عمق الزمن.
تقرير الصحيفة الفرنسية، الذي تداولته كذلك عدة منابر مغربية ، أعاد إلى الواجهة صورة الجديدة كمدينة تاريخية وسياحية فريدة تمتلك كل مقومات التميز، لكنها – في الوقت ذاته – تواجه تحديات واقعية تحول دون استثمار هذا الرصيد الرمزي والبيئي في تنمية مستدامة تعود بالنفع على ساكنتها.
مدينة الجديدة، أو “مازاغان” كما كان يُطلق عليها في العهد البرتغالي، ليست مجرد وجهة بحرية صيفية. فهي متحف مفتوح على التاريخ، تحرسه أسوار وأساطير.
أسوارها البرتغالية المصنفة تراثاً عالمياً لدى اليونسكو تشهد على تعايش الثقافات، وعمارتها البيضاء تعكس روحاً متوسطيةً مغربيةً متصالحة مع البحر والماضي.
داخل أزقتها، تتقاطع الحكايات بين الحرف التقليدية، والمقاهي المطلة على الأفق الأطلسي، وروائح البحر التي تحمل ذاكرة المدينة منذ القرن السادس عشر.
إشادة صحيفة Le Figaro ليست مجرد مجاملة صحفية، بل هي إشارة دبلوماسية ثقافية يمكن أن تُسهم في تعزيز مكانة الجديدة على خريطة السياحة الدولية، تماماً كما فعلت تغطيات سابقة لمراكش وشفشاون وأصيلة.
التقرير ركز على التوازن الفريد بين الأصالة والتنوع في الجديدة، التي تجمع بين البحر والعمارة والموسيقى والتاريخ، في مشهدٍ نادر يصعب تكراره في مدن ساحلية أخرى.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق بحث المغرب عن إعادة تنشيط قطاعه السياحي بعد الركود العالمي، حيث تشكّل مدن كالجديدة نموذجاً لوجهات “السياحة الهادئة”، بعيداً عن ضوضاء المدن الكبرى.
ورغم كل هذه الإشادة، يطرح مراقبون سؤالاً حرجاً:
هل تستفيد ساكنة الجديدة فعلاً من هذا الزخم الإعلامي والسياحي؟
ففي الوقت الذي تتصدر فيه صور المدينة الصفحات الأوروبية، يشتكي السكان المحليون من مشاكل ملموسة:
-
ضعف البنية التحتية في الأحياء الهامشية.
-
تراكم النفايات في الشوارع الرئيسية.
-
غياب رؤية واضحة لتأهيل المرافق السياحية القديمة.
-
وتراجع الاستثمارات الموجهة إلى دعم التشغيل المحلي.
المدينة التي تستقبل آلاف الزوار سنوياً، ما تزال تفتقر إلى مشاريع ثقافية وسياحية كبرى يمكن أن تُحول هذا الإعجاب الدولي إلى عوائد اقتصادية مستدامة.
أمام هذه المعطيات، يجد المسؤولون المحليون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية: تحويل “الاعتراف الرمزي” إلى مشروع تنموي واقعي.
ذلك يتطلب:
-
تحفيز الاستثمار في السياحة البيئية والثقافية.
-
تشجيع الاقتصاد المحلي القائم على الصناعة التقليدية والصيد البحري.
-
وتفعيل برامج المحافظة على التراث المادي واللامادي.
فالجديدة ليست فقط مدينة عريقة، بل رصيد وطني مفتوح على العالم، يحتاج إلى إدارة حديثة تعي قيمته وتستثمر في خصوصيته.
إن ما كتبته Le Figaro هو تذكيرٌ صريح بأن الجديدة تملك ما لا يُشترى: التاريخ، والبحر، والهوية.
لكن بقاءها “جوهرة” حقيقية رهنٌ بقدرة الفاعلين المحليين على ترجمة الإشادة إلى إنجاز، وتحويل الذاكرة إلى اقتصاد، والماضي إلى مستقبل مزدهر لمدينة تستحق أكثر من مجرد إعجاب عابر.
