الجديدة بين التاريخ والسياحة: الحي البرتغالي يختم تصوير “Extraction 3” ويطرح تحديات تنظيم وإعادة تأهيل
عاشت مدينة الجديدة، تلك الجوهرة الأطلسية وعاصمة دكالة الغنية بتاريخها العريق وجاذبيتها السياحية، فصلًا سينمائيًا جديدًا مع اختتام تصوير النسخة الثالثة من فيلم “Extraction” بفضاء الحي البرتغالي التاريخي، الذي فرض نفسه منذ عقود كوجهة مثالية لصناع السينما لما يزخر به من أزقة ضيقة، واجهات معمارية عتيقة، ومظاهر حضارية فريدة تستحضر ذاكرة العصور وتروي قصة المدينة العريقة.
على مدى أسبوعين، احتضن الحي البرتغالي تصوير مشاهد الفيلم، بحضور فريق تقني وفني محترف، حضر من مناطق تمتاز بخبرة واسعة في الفن السابع، الذين اتفقوا جميعًا على “الخصوصية السينمائية” التي يتمتع بها هذا الفضاء التاريخي، مؤكدين أن الجديدة أصبحت وجهة جاذبة للإنتاجات الكبرى بفضل امتزاجها بين التاريخ والثقافة والطابع السياحي الأخّاذ.
بين نجاح الإنتاج وتحديات التنظيم
رغم الإشادة الواسعة بردّ فعل السائحين والزوار على نشاط تصوير الفيلم، إلا أن عددًا من المتتبعين للسياحة والثقافة بمدينة الجديدة أشاروا إلى ثغرات تنظيمية مهمة لوحظت خلال مراحل التصوير، وكان من الممكن تفاديها بتنسيق أسبق مع الجهات المعنية.
من أبرز الملاحظات التي أثارها المتابعون:
-
غياب مخاطب رسمي أو لجنة تنسيق تعمل بشكل مباشر وميداني مع شركة الإنتاج، ما أدى إلى بعض الخلل في التنظيم وتأثيرات جانبية على تدفق الزوار في بعض المواقع التاريخية.
-
دخول معدات ثقيلة في أزقة ضيقة تتأثر أرضيتها المائلة والضعيفة بوزن الشاحنات والرافعات، ما بات يطرح تساؤلات حول ملاءمة البنى التحتية الحالية للتعامل مع مثل هذه الانتاجات الكبرى.
الحي البرتغالي… فرصة سياحية واقتصادية لا تُهدر
الحدث السينمائي الأخير يكشف إمكانات كبرى للحي البرتغالي أن يتحول إلى سوق جذب سينمائي وسياحي متكامل إذا ما تم العمل على تعزيز بنياته التحتية، وتقنين استخدام الفضاءات التاريخية بطريقة تحفظ السلامة المعمارية وتضمن سير الأنشطة دون تعارض مع حركة السياح والزوار.
ويرى نشطاء في المجال أن الجديدة، بتاريخها العريق وامتزاجها الفريد بين القديم والحديث، تمتلك كل المقومات لتكون مركزًا حقيقيًا للإنتاج السينمائي السياحي في شمال أفريقيا، خاصة مع فرص التنمية التي يزخر بها الحي البرتغالي من حيث القصص التاريخية والمسارات الفنية التي يمكن توظيفها في العروض السينمائية والترويج العالمي.
نداء إلى المسؤولين: إعادة الاعتبار للحي وتفعيل الوعود
لكن في نفس الوقت، يثير كثير من الفاعلين المحليين سؤالًا مهمًا: متى تتحول الوعود الخاصة بالإصلاحات العميقة للحي البرتغالي إلى واقع ملموس؟ فبينما يتم الاحتفاء بالإنتاج السينمائي كاحتفاء ثقافي وسياحي، تبقى بعض التحديات البنيوية قائمة: الحي بحاجة إلى تأهيل شامل لبنياته التحتية، تنظيم وتسيير أفضل للملك العمومي، ووضع إطار عمل يحفظ التوازن بين الحماية التاريخية للفضاء والممارسة السياحية المنتجة.
ويؤكد هؤلاء أن خلق استوديو سينمائي حقيقي داخل الحي البرتغالي، بتهييء تقني ومنطقة مخصّصة للتصوير، لن يكون مجرد رفاه سياحي، بل استثمار اقتصادي وثقافي يعزز جاذبية الجديدة في الخارطة العالمية للإنتاج السينمائي والسياحة التاريخية.
الجديدة: تاريخ نابض وفرص مستقبلية
لا يقتصر الحي البرتغالي على كونه موقعًا للتصوير فحسب، بل هو قصة حضارية متداخلة مع تاريخ المدينة، وسجل حيّ للتلاقح بين ثقافات متعددة عبر القرون، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في تسويق مدينة الجديدة كوجهة تتجاوز الشواطئ وجوهرة الأطلسي، لتكون مقصدًا ثقافيًا وسينمائيًا عالميًّا.
وفي خضم هذه الفرص، فإن تدخل الجهات المسؤولة، وعلى رأسها عامل الإقليم، ضروري لترسيخ رؤية تنظيمية واضحة تُحول الوعود إلى مشاريع آنية، وتضع المدينة في مصاف المدن التاريخية التي تستثمر تاريخها وتراثها في تنمية سياحية وثقافية حقيقية.
الجديدة ليست مجرد موقع تصوير مؤقت، بل حكاية تنتظر من يرويها للعالم، بمزيج من احترام الماضي واستثمار المستقبل.
