الجديدة تنزف تراثها: معلمة معمارية تحت المقصلة… وحان وقت تدخل السلطات
تعيش مدينة الجديدة على وقع وضع مقلق ينذر بفقدان جزء ثمين من ذاكرتها العمرانية، بعد أن أصبحت إحدى المعالم المعمارية التاريخية مهددة بالإهمال والتفكيك، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما طال مرافق أخرى كانت تشكل جزءاً من الهوية البصرية للمدينة، من قبيل فندق مرحبا وسينما باريس، اللذين اندثرا وسط صمت ثقيل وأسئلة معلّقة.
المدينة، التي تحتضن تراثاً عريقاً وعلى رأسه الحي البرتغالي المصنف تراثاً عالمياً، لم تعد فقط تواجه تحديات التوسع العمراني، بل تصارع اليوم خطر فقدان ملامحها الأصيلة أمام زحف عمراني غير متوازن، يهدد بانسلاخها عن تاريخها وروحها.
زحف الإسمنت وطمس الهوية
ما يقع اليوم ليس مجرد عملية هدم لبناية قديمة، بل هو مسار يطرح علامات استفهام حول كيفية تدبير العقار وحماية المآثر التاريخية. فعدد من البقع والأملاك ذات القيمة الرمزية تحولت في السنوات الأخيرة إلى مشاريع إسمنتية ضخمة، غالباً ما تفتقر للانسجام المعماري مع النسيج الحضري القائم، ما يعمق الإحساس بأن المدينة تُدفع دفعاً نحو فقدان شخصيتها.
ساكنة الجديدة وفعالياتها المدنية باتت تتساءل: من يحمي ذاكرة المدينة؟ وأين هي آليات المراقبة والتتبع؟ ولماذا تتكرر سيناريوهات التفويت والتغيير دون إشراك فعلي للرأي العام المحلي؟
مسؤولية ثقيلة على عاتق السلطات الإقليمية
أمام هذا الوضع، يتصاعد مطلب التدخل العاجل للسلطات، وعلى رأسها عمالة إقليم الجديدة، لوضع حد لما يصفه متتبعون بـ”نزيف الذاكرة”. فحماية التراث ليست ترفاً ثقافياً، بل ركيزة من ركائز التنمية المستدامة وجاذبية الاستثمار والسياحة.
وتتجه الأنظار اليوم إلى عامل الإقليم، سيدي صالح داحا، المعروف بصرامته في تنزيل التوجيهات الملكية السامية وحرصه على تتبع الملفات الترابية الكبرى. مسؤولية كبيرة تنتظره في هذا الظرف الدقيق، ليس فقط لوقف أي عملية قد تمس بمعلمة تاريخية، بل أيضاً لفتح تحقيق إداري وقانوني شفاف حول ظروف الترخيص والمراقبة، وضمان احترام المساطر الجاري بها العمل في مجال التعمير وحماية المآثر.
بين التنمية والحفاظ على الهوية
التنمية العمرانية حق مشروع، بل ضرورة لمواكبة التحولات الديمغرافية والاقتصادية، غير أنها لا ينبغي أن تكون على حساب التاريخ والهوية. المدن التي فقدت ذاكرتها تحولت إلى كتل إسمنتية بلا روح، بينما المدن التي نجحت في التوفيق بين الأصالة والتحديث أصبحت وجهات جذابة ومراكز إشعاع ثقافي.
الجديدة اليوم أمام مفترق طرق: إما تثبيت خيار حماية رصيدها المعماري وإعادة الاعتبار لمعالمها، أو الاستمرار في مسلسل التفويت والهدم الذي قد يجعل الأجيال القادمة تبحث في الصور فقط عن ملامح مدينة كانت ذات يوم شاهدة على تاريخ عريق.
إنها لحظة مسؤولية تاريخية، وحان الوقت لتدخل حازم يعيد الأمور إلى نصابها، ويؤكد أن ذاكرة المدن ليست للبيع، وأن حماية التراث مسؤولية جماعية، تبدأ من القرار الإداري الشجاع ولا تنتهي عند وعي الساكنة ويقظتها.
