الجديدة.. جوهرة الأطلس وعاصمة دكالة تبحث عن استعادة ريادتها التاريخية
ليست الجديدة مدينة عادية على الخريطة المغربية، وليست مجرد عاصمة إقليم ساحلي داخل جهة الدار البيضاء-سطات؛ إنها مدينة تختزن تاريخاً استثنائياً، وتجمع بين البحر والمدينة العتيقة، وبين التراث البرتغالي والمجال الدكالي، وبين ميناء الجرف الأصفر والصناعة والفلاحة والسياحة، وبين مؤهلات طبيعية واقتصادية تجعلها قادرة على لعب دور أكبر بكثير مما تؤديه اليوم.
ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل الجديدة لا ينبغي أن يختزل في إصلاح شارع أو تهيئة كورنيش أو إنجاز مشروع هنا وآخر هناك، وإنما يتعين أن يتحول إلى سؤال تنموي واضح: كيف يمكن إعادة الجديدة إلى موقعها الطبيعي كعاصمة لدكالة وجوهرة للأطلس وقطب اقتصادي وسياحي وثقافي قادر على منافسة المدن الساحلية الكبرى؟
فالإقليم يمتلك مقومات نادرة. وحسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد سكان إقليم الجديدة 914 ألفاً و367 نسمة، موزعين على 221 ألفاً و678 أسرة، فيما تبلغ مساحة الإقليم نحو 3791 كيلومتراً مربعاً.
وهذه الأرقام وحدها تكشف حجم المسؤولية وحجم الإمكانات في الوقت نفسه؛ فنحن أمام مجال ترابي واسع وثقل سكاني واقتصادي مهم، وليس أمام مدينة سياحية موسمية فقط.
الجديدة.. تاريخ كبير وإمكانات أكبر
تملك الجديدة رصيداً تاريخياً لا يتوفر لعدد كبير من المدن المغربية، وفي قلب هذا الرصيد توجد المدينة البرتغالية ومازاغان، إلى جانب الأسوار والمعالم التاريخية والنسيج العمراني القديم، فيما تشكل أزمور ومحيطها امتداداً طبيعياً لهذا التراث الدكالي المتنوع.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التراث لا تكمن في وجود المعالم فقط، وإنما في القدرة على تحويلها إلى منظومة ثقافية وسياحية متكاملة، تجعل الزائر يأتي إلى الجديدة من أجل التاريخ كما يأتي من أجل البحر، ويكتشف أزمور كما يكتشف المدينة البرتغالية، ويربط بين الثقافة والطبيعة والمطبخ المحلي والمنتوجات المجالية.
الجديدة تحتاج اليوم إلى أن تتوقف عن التعامل مع مؤهلاتها باعتبارها عناصر منفصلة، وأن تبدأ في تقديم نفسها كوجهة واحدة: مدينة تاريخية على الأطلسي، بوابة دكالة، وقطب اقتصادي وصناعي وسياحي في آن واحد.
الجرف الأصفر.. قوة اقتصادية تحتاج إلى أثر أكبر على المدينة
وإذا كانت الجديدة تملك تاريخاً سياحياً وثقافياً، فإنها تملك في المقابل واحداً من أقوى محركات الاقتصاد الصناعي بالمغرب.
ميناء الجرف الأصفر، الواقع على بعد نحو 17 كيلومتراً من الجديدة، يعد أكبر ميناء معدني في إفريقيا، بطاقة استيعابية تتجاوز 25 مليون طن سنوياً، وترتبط به منطقة صناعية تمتد على نحو 500 هكتار.
وهذه القوة الاقتصادية تطرح سؤالاً مشروعاً حول كيفية تعظيم الأثر التنموي لهذه الدينامية على المدينة والإقليم، بما يجعل البنية الصناعية والمينائية رافعة لمزيد من فرص الشغل والاستثمار والخدمات والتكوين، وليس مجرد نشاط اقتصادي ضخم يعمل إلى جانب مدينة تحتاج في الوقت نفسه إلى تطوير فضاءاتها وخدماتها وجاذبيتها.
الجديدة تحتاج إلى ربط أقوى بين الاقتصاد والصناعة والتكوين والبحث العلمي والاستثمار المحلي، حتى تتحول القوة الاقتصادية الموجودة فعلاً إلى منظومة تنموية متكاملة يستفيد منها الإقليم وسكانه.
السياحة.. ثروة لا ينبغي أن تبقى موسمية
أما البحر، فهو حكاية أخرى.
الجديدة تملك واجهة أطلسية ومؤهلات شاطئية ومنتجع مازاغان، فضلاً عن المدينة البرتغالية وموروث أزمور ومولاي عبد الله ومواقع طبيعية وثقافية يمكن أن تشكل شبكة سياحية متكاملة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من سياحة مرتبطة بفترات معينة من السنة إلى سياحة تمتد على مدار العام، من خلال تطوير السياحة الثقافية والرياضية والبيئية وسياحة المؤتمرات والترفيه العائلي، وربطها بالمنتوجات المحلية وبالموروث الدكالي.
وهنا تحديداً تحتاج الجديدة إلى مشروع ترويجي كبير، يجعل اسم المدينة حاضراً في الخريطة السياحية الوطنية والدولية، لا باعتبارها محطة صيفية فقط، وإنما باعتبارها وجهة لها تاريخها وشخصيتها ومؤهلاتها.
سيدي صالح داحا.. أقل من سنة أمام ورش واسع
في خضم هذه الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات، برز خلال الأشهر الماضية حضور عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، في عدد من الأوراش التنموية، خصوصاً من خلال المتابعة الميدانية والتنسيق بين المؤسسات والدفع نحو تسريع عدد من المشاريع.
ومنذ تنصيبه في نونبر 2025، دخل العامل الجديد في مرحلة قصيرة زمنياً لكنها حملت عدداً من الملفات الكبرى إلى واجهة العمل الترابي.
ومن أبرز المؤشرات التي ظهرت خلال هذه الفترة مشروع «الجديدة الكبرى»، الذي يروم الانتقال من منطق المشاريع المتفرقة إلى رؤية تشمل المجال الحضري والساحلي وتعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية، بغلاف مالي يتجاوز ملياراً و200 مليون درهم وفق المعطيات المنشورة حول الاتفاقية المرتقبة بين عدد من المؤسسات والجماعات المعنية.
وتكمن أهمية هذا الورش، إذا جرى تنزيله وفق الأهداف المعلنة، في أنه لا يتعامل مع الجديدة باعتبارها جماعة معزولة، وإنما ينظر إلى المجال المحيط بها، بما في ذلك أزمور ومولاي عبد الله والحوزية، باعتباره فضاءً واحداً يحتاج إلى تكامل في التأهيل والجاذبية والخدمات.
وهذه النقطة بالذات يمكن أن تشكل تحولاً مهماً في طريقة التفكير في مستقبل الإقليم.
من شارع جبران إلى الأوراش الكبرى
وفي يناير 2026، قام عامل الإقليم رفقة رئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات ومدير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بزيارة ميدانية لعدد من الأوراش، من بينها مشروع تهيئة شارع جبران خليل جبران بمدينة الجديدة، وهو مشروع تشارك فيه الجهة والعمالة والجماعة والمكتب الشريف للفوسفاط.
واللافت في هذا الورش أن الزيارة لم تتوقف عند المعاينة، إذ أُنجز لاحقاً افتحاص تقني للمشروع وتم رفع تقرير يتضمن توصيات إلى رئيس الجهة وعامل الإقليم، وهو ما يعكس أهمية المراقبة والتتبع في المشاريع العمومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأوراش ذات أثر مباشر على المشهد الحضري.
كما تابع عامل الإقليم في فبراير 2026 أشغال سوق الجملة الجديد للخضر والفواكه بجماعة مولاي عبد الله، بما في ذلك جوانب مرتبطة برقمنة مرافق السوق وإضافة ميزان جديد، في اتجاه إدماجه ضمن أسواق الجملة من الجيل الجديد.
وفي يوليوز 2026، أشرف العامل على إطلاق وتدشين عدد من المشاريع التنموية والاجتماعية، من بينها مشروع بناء المقر الجديد للمجلس الإقليمي، بكلفة تفوق 25.5 مليون درهم، إلى جانب مشاريع ذات طابع اجتماعي.
هذه التحركات، في أقل من سنة، تعكس على الأقل انتقالاً نحو حضور ميداني أكبر في عدد من الملفات، لكن الأهم يبقى في المرحلة المقبلة: تحويل المشاريع المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في الشارع والحي والمرفق والخدمة.
العامل وحده لا يستطيع إعادة الجديدة إلى الريادة
وهنا ينبغي أن يكون الخطاب واضحاً.
إعادة الجديدة إلى موقعها الطبيعي ليست مهمة العامل وحده، مهما كانت جدية التحركات التي يقودها. العامل يستطيع التنسيق والدفع والتتبع وتعبئة مختلف المتدخلين، لكنه لا يستطيع وحده تعويض أدوار الجماعات المنتخبة، ومجلس الجهة، والمجلس الإقليمي، والمصالح الخارجية، والمؤسسات العمومية، والقطاع الخاص، والفاعلين الثقافيين والسياحيين.
الجديدة تحتاج إلى تحالف تنموي حقيقي.
مجلس الجهة مطالب بأن ينظر إلى الإقليم باعتباره أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الجهوي، والمجالس المنتخبة مطالبة بتحسين جودة التدبير والخدمات، والمؤسسات العمومية مدعوة إلى تسريع المشاريع التي تدخل ضمن اختصاصاتها، والقطاع الصناعي مطالب بالمساهمة في التنمية الترابية، والفاعلون السياحيون مطالبون بالاستثمار في الجاذبية، والمجتمع المدني والنخب المحلية مطالبون بالمساهمة في صياغة رؤية جديدة للمدينة.
عاصمة دكالة تحتاج إلى مشروع يليق باسمها
لا يمكن أن تظل الجديدة مدينة تمتلك ميناءً صناعياً ضخماً وساحلاً واسعاً وتراثاً تاريخياً ومؤهلات سياحية وفلاحية، ثم تكتفي بتدبير يومي لا يرقى دائماً إلى حجم هذه الإمكانات.
المطلوب هو مشروع واضح المعالم يجعل من الجديدة مركزاً لدكالة، وليس فقط عاصمة إدارية لإقليم.
مشروع يربط الجديدة بأزمور ومولاي عبد الله والحوزية، ويجمع البحر بالتاريخ، والسياحة بالصناعة، والفلاحة بالتجارة، والثقافة بالاقتصاد.
مشروع يعيد الاعتبار إلى المدينة القديمة، ويولي أسوار أزمور ومعالمها العناية التي تستحقها، ويطور الواجهة البحرية، ويرفع جودة الفضاءات العمومية، ويعالج الاختلالات المرتبطة بالنقل والتطهير والتشوير والإنارة والمرافق، ويخلق شروطاً حقيقية لاستقطاب المستثمرين.
الجديدة لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات
الجديدة لا ينقصها التاريخ، ولا البحر، ولا الموقع، ولا الموارد، ولا المؤسسات الاقتصادية.
ما تحتاجه هو الالتقائية والسرعة والاستمرارية والصرامة في التنفيذ.
فالمدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 237 ألف نسمة وفق إحصاء 2024، فيما يتجاوز عدد سكان الإقليم 914 ألف نسمة، لا يمكن أن تظل خارج النقاش الوطني حول المدن الساحلية الكبرى.
والإقليم الذي يحتضن الجرف الأصفر، أحد أهم الموانئ المعدنية والطاقية بالمغرب، ويجمع بين الفلاحة والصناعة والسياحة والتراث، يستحق رؤية تتجاوز حدود التدبير التقليدي.
ومن هنا، فإن الورش الذي بدأ يتشكل خلال الأشهر الماضية تحت إشراف عامل الإقليم سيدي صالح داحا يمكن أن يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، لكن نجاحه سيقاس في النهاية بما سيتحقق على الأرض، وبمدى قدرة مختلف المؤسسات والشركاء على تحويل الاتفاقيات والبرامج إلى أوراش مكتملة وفضاءات أفضل وخدمات أجود وفرص اقتصادية أكبر.
الجديدة اليوم أمام لحظة مفصلية.
إما أن تستمر في التعامل مع مؤهلاتها باعتبارها أمراً مسلماً به، وإما أن تبدأ في استثمارها فعلياً لصناعة مستقبل جديد.
فهي ليست فقط مدينة على المحيط الأطلسي، وليست فقط عاصمة لإقليم يحمل اسمها؛ إنها عاصمة دكالة، ومدينة بتاريخ استثنائي، وجوهرة أطلسية، وقلب اقتصادي يمتلك مؤهلات وطنية كبرى.
وإعادتها إلى ريادتها التاريخية لا تحتاج إلى معجزة، بقدر ما تحتاج إلى قرار جماعي واضح: أن تتوحد جهود العمالة والجماعات ومجلس الجهة والمجلس الإقليمي والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والفاعلين الثقافيين والسياحيين حول مشروع واحد اسمه الجديدة الكبرى.
وعندما تتحول هذه الإرادة إلى مشاريع منجزة، وشوارع مؤهلة، وواجهة بحرية أكثر جاذبية، وتراث مصان، واستثمار منتج، وسياحة على مدار السنة، وخدمات تواكب حجم المدينة والإقليم، عندها فقط يمكن القول إن الجديدة بدأت تستعيد مكانتها التي تستحقها.
الجديدة لا تبحث عن مكانة جديدة؛ إنها تبحث عن استعادة مكانتها.
