الجرف الأصفر يدخل سباق الميثانول الأخضر.. تصميم ألماني يمهّد لأول منصة مغربية لإنتاج الوقود الاصطناعي
دخل مشروع إنتاج الميثانول الأخضر بالجرف الأصفر مرحلة تقنية جديدة، بعد استكمال مكتب الهندسة الألماني GOPA Tech التصميم الأولي للوحدة التجريبية التي يعتزم معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة IRESEN إقامتها ضمن منصة Green H2A المتخصصة في الهيدروجين الأخضر وتطبيقاته، في خطوة تعزز موقع الجرف الأصفر كأحد أهم المواقع المغربية المرشحة لاحتضان مشاريع الجيل الجديد من الوقود منخفض الكربون.
ويأتي هذا التطور في إطار التعاون المغربي الألماني في مجال تحويل الكهرباء المتجددة إلى جزيئات اصطناعية، وبتمويل من بنك التنمية الألماني KfW، فيما تتولى IRESEN الإشراف على المشروع، وتضطلع GOPA Tech بأدوار التصميم والاقتناء ومواكبة أشغال البناء والتشغيل، بمساهمة مجموعة Griesemann ومكتب Menares في الجوانب الهندسية.
من الكهرباء النظيفة إلى الميثانول الأخضر
وتقوم الفكرة التقنية للمشروع على إنتاج الهيدروجين في الموقع بواسطة التحليل الكهربائي اعتماداً على الكهرباء النظيفة، قبل دمجه مع ثاني أكسيد الكربون الذي سيجري التقاطه من الهواء، لإنتاج الميثانول الأخضر، وهو منتج يمكن تخزينه ونقله واستخدامه في عدد من التطبيقات الصناعية والطاقية.
وتكتسب هذه التكنولوجيا أهمية متزايدة في ظل البحث العالمي عن بدائل للوقود الأحفوري، خصوصاً في القطاعات التي يصعب فيها الاعتماد المباشر على الكهرباء، ومن بينها النقل البحري والصناعات الكيميائية، فضلاً عن إمكانية استخدام الميثانول الأخضر كمدخل في مسارات إنتاج أنواع أخرى من الوقود الاصطناعي.
ولا يقتصر الرهان المغربي على إنتاج الميثانول في حد ذاته، إذ تقول GOPA Tech إن المشروع سيتيح كذلك اختبار أداء تقنية التحليل الكهربائي ذات الأغشية التبادلية الأنيونية AEM في ظروف تتسم بتغير إنتاج الطاقة المتجددة ومحدودية الاعتماد على الشبكة، بما يسمح بتوليد بيانات عملية يمكن الاستناد إليها في تصميم مشاريع أكبر مستقبلاً.
الجرف الأصفر.. موقع صناعي مؤهل لاحتضان التحول الطاقي
اختيار الجرف الأصفر لم يأت من فراغ، إذ توجد المنطقة في قلب منظومة صناعية ومينائية كبرى، وتحتضن أنشطة ومرافق مرتبطة بمجموعة OCP، فضلاً عن قربها من البنيات التحتية الطاقية واللوجستية، ما يمنح مشاريع Power-to-X إمكانية الربط بين إنتاج الطاقة النظيفة والتحويل الصناعي والاستعمالات النهائية للوقود.
ويأتي المشروع ضمن منصة Green H2A التي أطلقتها IRESEN وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات ومجموعة OCP، والمخصصة لتطوير واختبار وتكييف تقنيات الهيدروجين الأخضر وتطبيقاته في السياق المغربي، بما فيها الأمونيا والميثانول والوقود الاصطناعي.
مرحلة جديدة قبل البناء.. والمشروع لا يزال تجريبياً
وباستكمال التصميم الأولي، ينتقل المشروع إلى مرحلة FEED، وهي مرحلة الهندسة الأساسية التي تسبق عادة قرارات الاقتناء والبناء والتنفيذ. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع ما يزال في إطار وحدة تجريبية/عرض تكنولوجي، وليس مصنعاً تجارياً للإنتاج الصناعي واسع النطاق، كما أن الشركة المكلفة بالبناء لم يتم تعيينها بعد.
وتكشف هذه المعطيات في الوقت نفسه أن المشروع عرف تأخراً عن الجدول الزمني الذي كان منتظراً في مراحل سابقة، إذ كان التصميم منتظراً في 2024، بينما استُكمل فعلياً خلال صيف 2026. غير أن الانتقال الآن إلى مرحلة FEED يضع المشروع على مسار أكثر تقدماً نحو مرحلة الاقتناء والتنفيذ، إذا استكملت الشروط التقنية والتمويلية والتنظيمية اللازمة.
رهان يتجاوز إنتاج الميثانول
وتكمن أهمية الوحدة التجريبية في كونها ستوفر للمغرب خبرة عملية في مختلف حلقات سلسلة Power-to-X، من التحليل الكهربائي والتقاط ثاني أكسيد الكربون إلى تركيب الميثانول وتخزينه، فضلاً عن تكوين مهندسين وتقنيين وفرق تشغيل وسلامة، ودعم البحث الجامعي وتطوير الخبرات الوطنية في هذا المجال.
كما يرتقب أن تساعد البيانات التشغيلية التي ستنتجها المنصة على تقليص المخاطر التقنية والاقتصادية المرتبطة بمشاريع أكبر في المستقبل، إلى جانب اكتساب خبرة في مجالات السلامة والتراخيص وشهادات الوقود ومتطلبات مطابقة المنتجات الخضراء للمعايير الدولية.
وبذلك، لا تبدو أهمية مشروع الجرف الأصفر مرتبطة بحجم الوحدة التجريبية وحده، وإنما بكونها مختبراً صناعياً مغربياً لتكنولوجيا قد تصبح جزءاً من منظومة الوقود الأخضر المستقبلية، خصوصاً في ظل الإمكانات الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب في الطاقة الشمسية والريحية، والموقع الاستراتيجي للجرف الأصفر كمركز صناعي ومينائي.
ويبقى التحدي الحاسم خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من التصميم والدراسة إلى التنفيذ الفعلي، ثم إثبات قدرة التكنولوجيا على العمل بكفاءة في الظروف المغربية، قبل التفكير في توسيعها نحو وحدات صناعية ذات طابع تجاري. أما في المرحلة الحالية، فإن المغرب يكون قد خطا خطوة إضافية في بناء المعرفة والخبرة الوطنية في مجال الميثانول الأخضر والوقود الاصطناعي، مع وضع الجرف الأصفر في قلب هذا التحول.
