الجرف الأصفر يرسّخ موقعه كقلب لمنظومة التحلية الصناعية.. وحدات جديدة تعزز الأمن المائي لـOCP
يتواصل تسارع التحول الذي تعرفه المنظومة المائية المرتبطة بالمركب الصناعي للجرف الأصفر، في إطار توجه متنامٍ نحو تقليص الاعتماد على الموارد المائية التقليدية، وتعويضها بمياه البحر المحلاة والمياه غير التقليدية، بما ينسجم مع تحديات الإجهاد المائي التي تواجهها المملكة.
وتشير المعطيات التقنية المتداولة حديثاً حول وحدات تحلية صناعية جديدة بالجرف الأصفر إلى اعتماد حلول معيارية وتقنيات متقدمة تجمع بين الترشيح الفائق والتناضح العكسي، وهي تكنولوجيا أصبحت تشكل أحد المكونات الأساسية في استراتيجية تأمين المياه للمنشآت الصناعية الكبرى.
غير أن المعطيات المتاحة من المصادر التقنية والرسمية لا تؤكد، إلى حدود الآن، أن قدرة وحدة بعينها بالجرف الأصفر تبلغ تحديداً 20,160 متراً مكعباً في اليوم. لذلك، فإن هذا الرقم يحتاج إلى تدقيق إضافي قبل نسبته إلى محطة محددة أو إلى جهة صناعية بعينها.
وفي المقابل، تكشف المعطيات الموثقة عن حجم أكبر بكثير للتحول الجاري بالجرف الأصفر. فالموقع يتوفر على منظومة متطورة لتحلية مياه البحر، فيما تشير بيانات مجموعة OCP إلى أن وحدات التحلية أصبحت تغطي 100 في المائة من حاجيات الجرف الأصفر من المياه، وأن الموقع بات مكتفياً بالمياه الخام منذ سنة 2023. كما يتم توجيه المياه المحلاة إلى استعمالات صناعية، إضافة إلى مساهمتها في تزويد مناطق مجاورة بالماء الصالح للشرب.
وتبرز الأرقام المتاحة أن التوسع لم يعد مرتبطاً بمحطة واحدة، وإنما بمنظومة متكاملة من الوحدات. فقد أعلنت جهات تقنية مشاركة في مشاريع الجرف الأصفر عن إنجاز وحدة لتحلية مياه البحر بالتناضح العكسي بطاقة 240 ألف متر مكعب يومياً، دخلت مرحلة الإنتاج منذ دجنبر 2024، فيما تم الإعلان كذلك عن وحدة أخرى بطاقة 60 ألف متر مكعب يومياً بدأت الإنتاج منذ شتنبر 2025.
ويأتي ذلك في سياق خطة أوسع لتحويل الجرف الأصفر إلى قاعدة رئيسية للأمن المائي الصناعي للمجمع الشريف للفوسفاط. ووفق وثائق OCP، بلغت قدرة المرحلة الأولى من مخطط الماء الاستعجالي بالجرف الأصفر نحو 45 مليون متر مكعب سنوياً، منها 12 مليون متر مكعب مخصصة للمياه الصناعية بالموقع، مقابل 30 مليون متر مكعب موجهة لتزويد عدد من المدن والمجالات المجاورة بالماء الصالح للشرب.
ولا تقف أهمية هذه المشاريع عند حدود تأمين حاجيات المركب الصناعي، إذ أصبحت البنية المائية بالجرف الأصفر جزءاً من شبكة استراتيجية تمتد إلى داخل البلاد. فقد تم تشغيل خط الجرف الأصفر–خريبكة لنقل المياه المحلاة لمسافة تتجاوز 200 كيلومتر، بما يسمح بتأمين حاجيات الموقع المنجمي بخريبكة من المياه غير التقليدية، وتعزيز استقلالية أنشطة OCP عن المياه السطحية والجوفية.
ويحمل هذا التحول دلالة اقتصادية وبيئية مهمة، خصوصاً أن صناعة الفوسفاط والأسمدة تعد من القطاعات ذات الاستهلاك المائي المرتفع. والانتقال إلى تحلية مياه البحر يعني عملياً تحرير جزء من الموارد المائية التقليدية التي يمكن توجيهها إلى الاستعمالات الأخرى، خصوصاً في ظل سنوات متتالية من الجفاف والضغط المتزايد على السدود والفرشات المائية.
وتؤكد مجموعة OCP أن 66.89 في المائة من حاجياتها المائية خلال 2024 كانت مغطاة بموارد مائية غير تقليدية، فيما بلغت النسبة بالنسبة لمواقعها الصناعية نحو 97.9 في المائة، بفضل التحلية وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة. كما أعلنت المجموعة بلوغ هدف الاستقلال المائي بالاعتماد على الموارد غير التقليدية قبل الموعد الذي كان محدداً سابقاً.
وتكشف هذه الأرقام أن ما يجري بالجرف الأصفر يتجاوز مجرد إنشاء وحدات إضافية لتحلية مياه البحر. نحن أمام إعادة هندسة كاملة لمنظومة الماء المرتبطة بالصناعة، تقوم على تعدد مصادر المياه غير التقليدية، وتطوير وحدات تحلية معيارية قابلة للتوسع، وربط الإنتاج الصناعي بشبكات نقل مائية طويلة المدى.
كما أن اعتماد الوحدات المعيارية يمثل اتجاهاً تقنياً لافتاً، بالنظر إلى قدرته على تسريع الإنجاز وتقليص مدة الأشغال بالموقع الصناعي. وقد تم بالفعل تنفيذ مشاريع تحلية بالجرف الأصفر بتصاميم معيارية ومسبقة التصنيع، فيما تعتمد مشاريع أخرى على تقنيات التناضح العكسي واسترجاع الطاقة، بما يرفع الكفاءة ويخفض استهلاك الطاقة المرتبط بعملية التحلية.
وهكذا، يتحول الجرف الأصفر تدريجياً إلى أحد أبرز المختبرات المغربية في مجال الصناعة والماء غير التقليدي، ليس فقط لتأمين حاجيات أكبر مجمع صناعي للفوسفاط والأسمدة، ولكن أيضاً لتطوير نموذج يمكن توسيعه وربطه بحاجيات المدن والمناطق المجاورة.
وفي وقت تواجه فيه المملكة تحدياً مائياً متزايداً، تبدو المعادلة الجديدة واضحة: الماء الذي تحتاجه الصناعة لن يأتي بالضرورة من السدود، بل increasingly من البحر ومن إعادة استعمال الموارد المائية. والجرف الأصفر يقف في مقدمة هذا التحول، باعتباره نقطة التقاء بين الصناعة الثقيلة، والتحلية، وشبكات نقل المياه، والأمن المائي الوطني.
