المحطة الطرقية بالجديدة… مرفق مهترئ يسيء لواجهة المدينة ويطرح سؤالاً عن أولويات التنمية
في قلب مدينة الجديدة، عاصمة دكالة، يقف المرفق الذي يفترض أن يكون من أولى الواجهات التنظيمية والخدماتية للساكنة والزائرين شاهداً على واقع مؤلم يعكس إهمالاً متواصلاً من قبل الجهات المكلفة بتدبير هذا العنصر الحيوي في بنية المدينة. المحطة الطرقية، التي يفترض أن تكون مركزاً لمنظومة النقل وتبادل المسافرين، تعاني من جدران متآكلة، مرافق مهترئة، سوء النظافة، وضعف التنظيم، وفوضى في حركة الحافلات والسيارات، ما جعلها خارجة عن المقاييس المقبولة لأي مكان يطمح لأن يكون بوابة حضارية لمدينة تستقبل يوميًا آلاف الركاب من طلبة وعاملين وزوار.
الزائر للمحطة أو حتى المارة بجانبها لن يجد ما يقنعه أن هذه المدينة، التي تُعرف بشواطئها الساحرة وتراثها التاريخي العريق، لديها رؤية واضحة في كيفية التعامل مع مرافقها الأساسية. بدلاً من ذلك، ينشأ الانطباع لدى المواطن أن المحطة قد تُركت للزمن دون صيانة أو تطوير أو حتى مخطط تنظيمي يعيد لها مكانتها اللائقة، وأن ما يشهده المكان من فوضى وتدهور هو مجرد انعكاس لسياسات ترقيعية تعتمد الإهمال بدل التفكير الاستراتيجي في مشاريع هيكلية تخدم الحاضر وترسم مستقبلًا أفضل للمرفق.
هذا الواقع يؤكد أن المسؤولية لا يمكن أن تُنسب إلى القيمين على المحطة وحدهم، بل تمتد لتشمل المنتخبين والجهات المحلية التي طالما تحدثت عن مشاريع تنموية كبرى، من دون أن يلمس المواطن على الأرض تفعيلاً حقيقياً لتلك الوعود. فمن حق ساكنة دكالة أن تتساءل بقلق: أين هم المنتخبون الذين وعدوا بالمشاريع الحيوية؟ ولماذا يُترك مرفق أساسي بهذا المستوى من التدهور بينما تُصرف الملايين على مشاريع أخرى أقل أهمية؟ هذا التساؤل لا يعبر عن غضب عابر، بل عن إحساس عميق لدى المواطنين بفقدان الثقة في مؤسسات يُفترض أن تكون في خدمة المواطن قبل كل شيء.
ولعل من بين أبرز التحديات المرتبطة بهذه الوضعية هي غياب نظرة استراتيجية لانتقال المدينة من المحطة الحالية إلى المحطة الجديدة المأمولة. فالمحطة الجديدة، التي تم الإعلان عنها منذ سنوات، لم تشهد تطورًا ملحوظًا في الأشغال، ولا يزال موعد افتتاحها في حكم المجهول، ما يجعل السؤال المشروع هو: متى سيتم فتح المحطة الجديدة؟ وهل هناك فعلاً إرادة سياسية وفعلية لإنهاء هذا المشروع الحيوي؟ تُطرح هذه الأسئلة في وقت يعرف فيه النقل البيني والإقليمي ضغطًا كبيرًا، ولا يمكن ترك التيارات والمسارات اليومية للركاب رهينة لمرافق غير مكيفة ولا تحترم أبسط معايير السلامة والراحة.
ويأتي الحديث عن المحطة الجديدة في سياق أوسع من المرافق المهترئة داخل الفضاء الحضري للجديدة، من طريق عمومي غير منسجم وملحقاته، إلى عدم تكافؤ البنيات التحتية مع حجم الزوار والتنقلات اليومية، وهو ما يشير إلى غياب تركيز براغماتي على الأولويات التي تهم المواطن بشكل مباشر. فالمحطة الطرقية ليست مجرد بناية أو فضاء، بل هي إنعكاس لوظيفة المدينة كفضاء للعيش والعمل والتنقل، ومن ثم فإن تجاهل تطويرها أو تحسينها لا يسيء فقط إلى منظر حضري، بل يجعل من حياة المواطنين اليومية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
لهذا، يظل من الضروري أن تتضافر الجهود بين جميع الجهات المعنية من أجل إنقاذ الوضع الراهن، وتجاوز منطق الإهمال والتسيّب. هناك حاجة ملحّة لأن تعمل الجماعة الحضرية، وقطاع النقل، والمجلس الإقليمي، والمجلس الجماعي، والجهات الوصية معًا في تنسيق تام لإنهاء المعاناة التي يعيشها المواطنون، عبر اتخاذ خطوات عملية تشمل:
- الإسراع في استكمال المشروع الهيكلي للمحطة الجديدة مع تحديد جدول زمني واضح وشفاف لافتتاحها، يكون معروفًا ومعلنًا للمواطنين؛
- إطلاق حملة صيانة عاجلة للمحطة الحالية تشمل ترميم الجدران، تحسين النظافة، تنظيم فضاءات الانتظار، وتوفير الإشارات التوجيهية؛
- وضع خطة تنظيمية متكاملة لحركة الحافلات والسيارات داخل المحطة تضمن تدفقاً منطقياً وآمناً للمسافرين؛
- إشراك المجتمع المدني وفعاليات المجتمع المحلي في مراقبة تنفيذ هذه الخطط والتأكد من احترام الجداول الزمنية؛
- تركيز مؤشرات المسؤولية والمحاسبة في حال التأخر أو العجز في تسليم المشاريع الحيوية، بما يعزز ثقة المواطنين في الجهات المنتخبة والمؤسسات العمومية.
إن الحديث عن تحسين وضع المحطة الطرقية بمدينة الجديدة ليس ترفًا أو مطلبًا شكليًا، بل ضرورة حقيقية تتعلق بكرامة المواطن، بسلامة تنقله اليومي، وبمدى احترام المؤسسات لاحتياجات المجتمع، فقد باتت المحطة التي يفترض أن تكون واجهة حضارية للمدينة رمزًا على التهميش والتراجع، ما يستدعي إيقاظ الوعي الجماعي لدى كل الفاعلين للتعامل مع هذه القضية كأولوية تنموية حقيقية.
وإذا كانت مدينة الجديدة حقًا تسعى لأن تكون قطباً تنموياً في جهة الدارالبيضاء، فلا بد أن تبدأ من مرافقها الأساسية التي تمس المواطن في حياته اليومية، وأن تضع تطوير المحطة الطرقية نصب عينيها كأحد المشاريع التي تُعيد الاعتبار لصورتها وتخدم حاضرها ومستقبلها.
