بنكيران من الجديدة يفتح النار على أخنوش ويستحضر «مسامير المائدة» ومحطات الصراع مع العدالة والتنمية

Screenshot_20260906_190741_Google

اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مدينة الجديدة لرفع سقف المواجهة السياسية مع رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في مهرجان خطابي نظمه الحزب مساء الأحد، حيث وجه انتقادات لاذعة إلى طريقة تدبير الحكومة، وشن هجوماً مباشراً على رئيسها، قبل أن يستعيد محطات من تاريخ العدالة والتنمية منذ دخوله المعترك الانتخابي، متحدثاً عن محاولات قال إنها استهدفت محاصرة الحزب وإضعافه ومنع تمدده السياسي.

ولم يقدم بنكيران انتقاداته لأخنوش باعتبارها مجرد ملاحظات على حصيلة حكومية أو على عدم تنفيذ بعض الوعود الانتخابية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما شكك في امتلاك رئيس الحكومة، حسب تعبيره، للمؤهلات السياسية والأخلاقية والنزاهة اللازمة لممارسة الحكم.

وقال بنكيران مخاطباً أخنوش: «السيد أخنوش لا يعرف معنى الحكم، ولا يعرف كيف يحكم، وليست لديه أخلاق الحكم، ولا نزاهة الحكم، وليست لديه القدرة السياسية التي تمكنه من مساندة الملكية، وهو دائما يختبئ وراءها».

وكانت هذه العبارة من أبرز لحظات خطاب بنكيران، الذي بدا من خلالها أن المواجهة مع رئيس الحكومة لن تكون مرتبطة فقط بالحصيلة الاقتصادية والاجتماعية، وإنما ستتخذ طابعاً سياسياً وشخصياً أكثر حدة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية.

بنكيران ينتقد «زخرف القول»

وفي سياق حديثه عن الحكومة، توقف بنكيران عند الخطاب الذي يقدم به مسؤولوها حصيلتهم ووعودهم للمغاربة، مميزاً بين ما وصفه بالكلام وبين ما يتم إنجازه على أرض الواقع.

وقال إن المشكلة، في نظره، ليست في إطلاق الوعود، وإنما في الالتزام بها وتنفيذها، منتقداً ما اعتبره اعتماداً على «زخرف القول» لتقديم صورة إيجابية عن الأداء الحكومي.

وفي السياق نفسه، أشار بنكيران إلى فوزي لقجع، ملاحظاً أن الرجل، بحسب قراءته، أصبح يردد خطاباً وأفكاراً سبق لحزب العدالة والتنمية أن تحدث عنها، في إشارة إلى عدد من القضايا والشعارات التي سبق للحزب أن جعلها جزءاً من خطابه السياسي.

غير أن بنكيران ربط ذلك بما يعتبره فجوة بين الخطاب والممارسة، معتبراً أن الوعود لا تكتسب قيمتها من طريقة تقديمها، وإنما من مدى ترجمتها إلى إجراءات ونتائج ملموسة يستفيد منها المواطنون.

«المغاربة لم يعودوا يرون تعاوناً»

وانتقل الأمين العام للعدالة والتنمية إلى الحديث عن العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية، معتبراً أن الصورة التي تصل إلى المغاربة لم تعد صورة حكومة متماسكة تعمل بشكل منسجم لخدمة المواطنين.

وقال إن المغاربة، بحسب تعبيره، «لم يعودوا يرون تعاوناً بين هؤلاء، وإنما يرون صراعاً»، مستحضراً المثل الشعبي: «إذا اختلف السارقان ظهر المسروق»، في إشارة إلى ما اعتبره خلافات وتبادل اتهامات بين مكونات الأغلبية.

وربط بنكيران هذه الخلافات بما يبرز بين أطراف الحكومة من تناقضات في المواقف والتوجهات، معتبراً أن استمرارها لا يخدم المواطنين ولا يساهم في معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه البلاد، بل يزيد، وفق قراءته، من حدة التوتر السياسي.

من محاربة الكسب غير المشروع إلى التغطية الصحية

ولم يفصل بنكيران انتقاداته للحكومة الحالية عن استحضار تجربته السابقة في رئاسة الحكومة، حيث ذكّر بعدد من الملفات التي قال إن حكومته اشتغلت عليها، من بينها محاربة الكسب غير المشروع والتغطية الصحية.

واعتبر أن بعض الإجراءات التي تم إنجازها خلال مراحل سابقة جرى، بحسب رأيه، التراجع عنها أو تغييرها، في وقت تستمر فيه الحكومة الحالية في تقديم وعود جديدة للمغاربة.

ومن خلال هذا الاستحضار، سعى بنكيران إلى تقديم مقارنة بين تجربته الحكومية والتجربة الحالية، معتبراً أن الحكم لا يقاس فقط بالشعارات والخطابات، وإنما بما يتم إنجازه فعلياً على أرض الواقع.

«مسامير المائدة».. بنكيران يعود إلى انتخابات 2002

لكن الجزء الأكثر ارتباطاً بالذاكرة السياسية لحزب العدالة والتنمية جاء عندما عاد بنكيران إلى انتخابات سنة 2002، مستحضراً ما قال إنها محاولات للتأثير في المسار الذي أفرزته صناديق الاقتراع.

وقال إن هناك جهات كانت تريد نتيجة انتخابية مختلفة عن تلك التي أفرزتها الانتخابات، مشيراً إلى أن الملك، بحسب روايته، حرص على اعتماد النتيجة الديمقراطية الحقيقية التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، استخدم بنكيران تعبير «مسامير المائدة» لوصف الجهات التي قال إنها كانت تعتبر صعود العدالة والتنمية خطراً سياسياً.

وأوضح أن الحزب حصل، وفق روايته، على 42 مقعداً، في الوقت الذي كان متوقعاً له أن يحصل على 14 مقعداً فقط، معتبراً أن هذا الصعود الانتخابي أثار مخاوف لدى عدد من الأطراف السياسية.

وقال إن «مسامير المائدة» لم يكونوا حزباً واحداً، وإنما مجموعة من الأحزاب والجهات التي اجتمعت، بحسب توصيفه، ضد العدالة والتنمية، مستحضراً في هذا الإطار ما عرف لاحقاً بتجمع «G8».

وربط بنكيران عزيز أخنوش بهذا الاصطفاف السياسي، مقدماً الأمر باعتباره محطة من محطات المواجهة مع الحزب، ومحاولة قال إنها كانت تهدف إلى محاصرة العدالة والتنمية ومنع توسعه السياسي.

تأسيس الأصالة والمعاصرة في رواية بنكيران

واستعاد بنكيران أيضاً محطة تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن ظهور الحزب كان جزءاً من سياق سياسي عرف محاولات لتقديم قوة حزبية قادرة على منافسة العدالة والتنمية.

غير أنه قال إن التجربة أظهرت لاحقاً، بحسب قراءته، أن الحزب لم يتمكن من تحقيق ما كان متوقعاً منه على مستوى الشعبية والتأييد.

واعتبر أن انتخابات 2016 كشفت، في نظره، حقيقة موازين القوى، بعدما ظل العدالة والتنمية في صدارة النتائج، بينما لم يتمكن الأصالة والمعاصرة من التحول إلى البديل الذي كان يُنظر إليه على أنه قادر على منافسة الحزب.

وهكذا، قدم بنكيران مسار الحزب خلال تلك المرحلة باعتباره سلسلة من المواجهات السياسية التي لم تمنع العدالة والتنمية من الحفاظ على حضوره الانتخابي، وفق روايته.

2011.. «قالوا لن تستمر أكثر من أشهر»

وعاد بنكيران إلى انتخابات 2011، عندما تصدر العدالة والتنمية النتائج بحصوله على 107 مقاعد، متقدماً على حزب الاستقلال، ليتولى بعدها بنكيران رئاسة الحكومة.

وقال إن خصوم الحزب كانوا يعتقدون أن التجربة لن تستمر طويلاً، وأن الحكومة التي يقودها العدالة والتنمية لن تتجاوز بضعة أشهر، قبل أن تستمر، بحسب بنكيران، لخمس سنوات كاملة.

واستحضر هذه التجربة ليؤكد أن الحزب، من وجهة نظره، أثبت قدرته على تحمل مسؤولية تدبير الحكومة، رغم الشكوك والانتقادات التي أحاطت بتجربته منذ بدايتها.

كما توقف عند انتخابات 2016، حين تصدر العدالة والتنمية النتائج من جديد، ليجد نفسه أمام أزمة سياسية حالت دون تشكيل الحكومة بالطريقة التي كان يسعى إليها بنكيران.

«لا نريد حكومة يقودها بنكيران»

وفي استحضاره لأحداث 2016، قال بنكيران إن جهات سياسية تحركت لمنع تشكيل حكومة يقودها، مشيراً إلى أن بعض الأطراف، وفق روايته، أبلغت الملك بأنها لا تريد المشاركة في حكومة يرأسها عبد الإله بنكيران.

وقدم الأمين العام للعدالة والتنمية هذه المرحلة باعتبارها محطة أخرى ضمن ما وصفه بمحاولات محاصرة الحزب ومنع استمراره في قيادة الحكومة بعد تصدره للانتخابات.

وبذلك، لم يعد خطاب بنكيران في الجديدة مجرد هجوم على حكومة أخنوش، بل تحول إلى استعادة شاملة لمسار سياسي يعتبره الرجل سلسلة متواصلة من المواجهات بين العدالة والتنمية وخصومه السياسيين.

«المعركة ليست مع الملكية»

ورغم اللهجة الحادة التي اعتمدها في انتقاد رئيس الحكومة، حرص بنكيران على التأكيد أن معركته السياسية ليست مع المؤسسة الملكية.

وقال إن هناك أفراداً أو مجموعات هامشية قد ترفع شعارات مختلفة، لكن ذلك لا يمثل موقف حزب العدالة والتنمية، مشدداً على أن الحزب يميز بين احترام الملكية وبين معارضة الحكومة وسياساتها.

وأكد أن العدالة والتنمية، وفق ما جاء في خطابه، يتمسك بالملكية باعتبارها إحدى ركائز النظام السياسي المغربي، بينما يواصل معارضته للحكومة الحالية ولطريقة تدبيرها للشأن العام.

وهذه النقطة شكلت جزءاً أساسياً من الرسالة التي أراد بنكيران إيصالها، إذ جمع بين انتقاد رئيس الحكومة بشدة وبين التأكيد على أن المعارضة التي يقودها حزبه تستهدف السياسات الحكومية ولا تستهدف المؤسسة الملكية.

الانتخابات المقبلة.. «لا تمنحوا أصواتكم بالمال أو التخويف»

وفي ختام خطابه، انتقل بنكيران إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، داعياً أنصار حزبه إلى الاستعداد لمعركة انتخابية قال إنها ستكون حاسمة.

وخاطب الناخبين داعياً إياهم إلى اختيار من يثقون بهم، وعدم السماح للمال أو التخويف أو الوعود غير المنجزة بالتأثير في إرادتهم الانتخابية.

كما دعا إلى قدر أكبر من الوعي السياسي عند اختيار المرشحين، محذراً من منح الثقة لمن يقدمون وعوداً لا يلتزمون بتنفيذها.

ومن خلال هذا الخطاب، بدا أن بنكيران يريد إعادة وضع العدالة والتنمية في قلب المعركة الانتخابية، مستفيداً من رصيده السياسي ومن الذاكرة الانتخابية للحزب، وفي الوقت نفسه تحويل رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى أحد أبرز عناوين المواجهة السياسية التي يخوضها الحزب.

وبين استحضار انتخابات 2002، وتجربة حكومة 2011، ونتائج 2016، والحديث عن «مسامير المائدة» و«G8»، وصولاً إلى الهجوم المباشر على أخنوش وانتقاد أداء الحكومة، حمل مهرجان الجديدة رسالة سياسية واضحة: العدالة والتنمية يريد خوض الانتخابات المقبلة بخطاب مواجهة مفتوح، عنوانه محاسبة الحكومة الحالية، واستعادة موقع الحزب في المشهد السياسي، مع التشديد على أن هذه المواجهة، كما يقول بنكيران، تبقى مع الحكومة وسياساتها وليست مع الملكية.

وتأتي هذه اللهجة المرتفعة في وقت دخل فيه المشهد السياسي المغربي مرحلة انتخابية حاسمة، ما يجعل تصريحات بنكيران في الجديدة مؤشراً على طبيعة الخطاب الذي قد يطبع المرحلة المقبلة، حيث يبدو أن حزب العدالة والتنمية اختار العودة إلى لغة سياسية هجومية، مستنداً إلى تاريخ الحزب وتجربته الحكومية، وموجهاً سهام المعارضة أساساً نحو رئيس الحكومة وحصيلته وطريقة تدبيره للشأن العام.

About The Author