سيدي صالح داحا.. رجل سلطة لإطفاء النيران الاجتماعية وإعادة ترتيب أوراش الجديدة

1450117430

منذ تعيينه عاملاً على إقليم الجديدة، دخل سيدي صالح داحا إلى واحدة من أكثر المناطق تعقيداً من حيث حجم الملفات وتعدد المتدخلين وتنوع الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، غير أن طريقة اشتغاله سرعان ما أظهرت اعتماداً واضحاً على الحضور الميداني، والإنصات، والتنسيق بين المؤسسات، والتدخل قبل أن تتحول الإشكالات المحلية إلى أزمات مفتوحة.

وبعيداً عن منطق الظهور الإعلامي المكثف، برز اسم عامل الإقليم خلال الأشهر الماضية في عدد من الملفات التي تتطلب تدبيراً ترابياً مباشراً، وهو ما جعل بعض المتابعين للشأن المحلي يصفونه بـ«رجل إطفاء النيران الاجتماعية»، في إشارة إلى أسلوب يقوم على احتواء الملفات الحساسة والتدخل الميداني ومحاولة إعادة القضايا إلى مسارها المؤسساتي بدل تركها تتفاقم.

هذه المقاربة برزت بشكل خاص في طريقة تعاطيه مع الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الإدارية والمنتخبة والاقتصادية والاجتماعية، حيث لم يعد التدبير الترابي يقتصر على عقد الاجتماعات وتوجيه التعليمات، وإنما أصبح مرتبطاً بمتابعة المشاريع على الأرض، وربط المسؤوليات بالنتائج.

ومن أبرز الملفات التي حملت بصمته خلال الفترة الماضية ورش «الجديدة الكبرى»، الذي يتجاوز منطق المشروع المنفرد نحو تصور أوسع لتأهيل المجال الحضري والساحلي، من خلال تجميع عدد من المشاريع وربطها بالبنية التحتية والجاذبية الاقتصادية والسياحية والعدالة المجالية. وقد ارتبط هذا الورش بعقد دورة استثنائية جمعت المجلس الإقليمي ورؤساء جماعات الجديدة ومولاي عبد الله والحوزية وأزمور للمصادقة على اتفاقية للتأهيل، في مشروع قدرت قيمته الإجمالية بحوالي 1.2 مليار درهم.

وفي الجانب الميداني، ظهر أسلوب داحا بوضوح خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، الذي تحول خلال دورة 2026 إلى اختبار حقيقي للسلطات الإقليمية، بالنظر إلى الحجم الكبير للتوافد الجماهيري وتعدد الأنشطة وضرورة تأمين حركة السير وتنظيم الفضاءات وضمان استمرار الحياة اليومية بالمنطقة.

وتشير المعطيات المنشورة عقب انتهاء الموسم إلى أن عدد الزوار تجاوز سبعة ملايين شخص، فيما عرف اليوم الختامي وحده حضوراً جماهيرياً ضخماً. وفي خضم هذا الضغط، اختار عامل الإقليم الحضور الميداني وتتبع تفاصيل التظاهرة، قبل أن ينتقل مباشرة بعد انتهائها إلى مواكبة عمليات تنظيف الفضاءات وإعادة الحياة إلى طبيعتها.

وهنا تظهر إحدى السمات التي باتت مرتبطة بطريقة اشتغال عامل الإقليم: عدم اعتبار انتهاء الحدث نهاية للمسؤولية، بل مواصلة التتبع إلى مرحلة ما بعد الحدث، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفضاءات استقبلت أعداداً استثنائية من المواطنين والزوار.

وفي الملفات الحضرية، ركزت الإدارة الترابية خلال الأشهر الماضية على إعادة ترتيب عدد من الأوراش المرتبطة بالطرق والبنيات التحتية والتأهيل الحضري وتحسين جاذبية المجال، مع اعتماد المتابعة الميدانية والتنسيق بين المتدخلين لتسريع المشاريع. وتظهر هذه المقاربة في عدد من الأوراش التي أعيد وضعها ضمن أولويات التدبير الترابي بالإقليم.

كما امتد الحضور الترابي لعامل الإقليم إلى ملفات اجتماعية وخدماتية، من بينها مبادرات مرتبطة بالصحة والحماية الاجتماعية، حيث تم إطلاق مبادرات تحمل بعداً إقليمياً في مجال الوقاية والخدمات الصحية، في إطار توجه يرمي إلى جعل الإدارة الترابية وسيطاً ومنسقاً بين مختلف المؤسسات والمصالح.

وفي المجال التعليمي، حرص عامل الإقليم على حضور الملفات المرتبطة بالمدرسة والتميز الدراسي، حيث ترأس في يوليوز 2026 حفل التميز الدراسي بالإقليم، بحضور مختلف المتدخلين في المنظومة التعليمية والمصالح الأمنية والإدارية والمنتخبة، في مناسبة عكست انفتاح الإدارة الترابية على قضايا التعليم والشباب وليس فقط على الملفات الإدارية الصرفة.

لكن صورة داحا في الجديدة لا يمكن اختزالها في المشاريع والأوراش فقط؛ فالرجل يتحرك داخل إقليم يعرف تعدد بؤر الضغط، من المدينة إلى المناطق القروية، ومن السياحة إلى الصناعة، ومن الملفات الاجتماعية إلى الاستثمار والبنيات التحتية.

وهذا ما يجعل مهمة عامل الإقليم أقرب إلى عملية توازن يومية بين مصالح متعددة، خصوصاً في إقليم يتجاوز عدد سكانه 914 ألف نسمة وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.

وتظهر أهمية هذا الدور أكثر عندما يتعلق الأمر بالملفات التي يمكن أن تتحول بسرعة إلى مصدر توتر اجتماعي. فالتدبير الترابي في مثل هذه الحالات لا يقوم فقط على القرارات الإدارية، وإنما يحتاج إلى الإنصات، والوساطة، والتنسيق، واحتواء التوتر، ثم البحث عن حلول قابلة للتنفيذ داخل الإطار المؤسساتي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، بدأ اسم سيدي صالح داحا يرتبط محلياً بصورة المسؤول الذي يفضل النزول إلى الميدان بدل الاكتفاء بالتقارير، ويضع الملفات أمام مختلف المتدخلين إلى أن تصل إلى مرحلة التنفيذ أو الحسم. وتصف تقارير محلية هذه الطريقة بأنها «عمل بلا ضجيج» وتركيز على النتائج بدل الخطاب.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن جميع الملفات حُسمت أو أن الإقليم تجاوز كل اختلالاته؛ فهناك مشاريع وملفات ظلت محل انتقاد وانتظار، من بينها مرافق عمومية ومشاريع ظلت بحاجة إلى تسريع مساطرها، وهو ما يشكل جزءاً من التحديات التي تواجه الإدارة الترابية والمنتخبين وباقي المتدخلين.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن عامل الإقليم أصبح حاضراً في قلب هذه الملفات، سواء تعلق الأمر بالتأهيل الحضري، أو الاستثمار، أو البنيات التحتية، أو التنظيم خلال المواسم الكبرى، أو الملفات الاجتماعية، وهو ما يجعل تجربته بالجديدة مرتبطة أساساً بقدرته على تحويل التنسيق الإداري إلى نتائج ميدانية.

وبذلك، فإن سيدي صالح داحا لا يقدم في الجديدة صورة رجل سلطة يعتمد فقط على البروتوكول والمراسلات، وإنما برز خلال الأشهر الماضية كمسؤول ترابي يعتمد الحضور الميداني والتدخل المباشر واحتواء الملفات الحساسة، وهي خصائص جعلت البعض يضعه ضمن رجال السلطة الذين يوصفون محلياً بـ«إطفائيي النيران الاجتماعية».

ومع دخول الإقليم مرحلة جديدة من الأوراش الكبرى، فإن الرهان الحقيقي أمام عامل الجديدة يبقى هو تحويل هذه الدينامية إلى نتائج مستدامة يشعر بها المواطن، خصوصاً في مجالات البنيات التحتية، والنظافة، والطرق، والخدمات، والاستثمار، وتحسين المجال الحضري، بما يجعل الإدارة الترابية شريكاً فعلياً في التنمية وليس مجرد جهاز لتدبير الأزمات.

About The Author