شوكي يكشف أوراق الأحرار الانتخابية.. مليون منصب شغل ورفع الأجور وتعزيز الدولة الاجتماعية

800796682_1060069483281687_3692478811114414336_n

وضع محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، الخطوط العريضة للعرض الانتخابي الذي يتقدم به الحزب إلى المغاربة خلال الولاية التشريعية المقبلة، كاشفاً عن برنامج للفترة 2026-2031 يقوم على ثلاث أولويات كبرى: حماية القدرة الشرائية، الارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتعزيز الإدماج الاقتصادي وخلق فرص الشغل.

وخلال ندوة صحفية عقدها الحزب، الثلاثاء، قدم شوكي البرنامج الانتخابي تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، فيما اختار الحزب لرؤيته العامة شعار «مغرب واحد.. مسار واحد لجميع المغاربة»، في محاولة لتقديم تصور سياسي يربط بين استكمال الأوراش الاجتماعية التي أطلقت خلال الولاية الحكومية السابقة وبين الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها تحسين المداخيل وتجويد الخدمات وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي.

وشدد رئيس الأحرار على أن البرنامج لم يكن، وفق تقديمه، وثيقة أُعدت في اللحظات الأخيرة استعداداً للانتخابات، بل جاء نتيجة مسار طويل من التواصل والإنصات، شمل لقاءات مع المواطنين والمنتخبين والمهنيين وفعاليات الحزب بمختلف المناطق. ويريد الحزب من خلال هذا المعطى تقديم برنامجه باعتباره حصيلة نقاش ميداني وليس مجرد لائحة وعود انتخابية.

وفي قلب التصور الذي عرضه شوكي، تبرز الدولة الاجتماعية باعتبارها الإطار الذي يجمع مختلف الالتزامات، لكن الحزب يقترح الانتقال بها من منطق الحماية فقط إلى منطق أوسع يقوم على ثلاث حلقات مترابطة هي الحماية والمواكبة والتمكين. وبمعنى آخر، لا يكتفي التصور بمساعدة الأسر التي تواجه الهشاشة، بل يسعى إلى توفير الظروف التي تسمح لها بالاستقرار ثم تحقيق استقلال اقتصادي أكبر.

وتحتل القدرة الشرائية موقعاً متقدماً في البرنامج، في ظل استمرار ملف الأسعار والدخل في صدارة اهتمامات المغاربة. ويقترح الحزب، في هذا الإطار، مجموعة من الإجراءات تشمل الحماية الاجتماعية والادخار وتحسين الأجور والمعاشات ومساعدة الأسر على تحمل نفقات التعليم.

ويستهدف الحزب، بحسب المعطيات التي قدمها خلال الندوة، توسيع أثر الدعم الاجتماعي المباشر ليشمل حوالي أربعة ملايين أسرة، بما يقارب 12 مليون مواطن، مع رفع قيمة الدعم وربط تطوره بمعدلات التضخم. كما يتضمن التصور استمرار الاستفادة من الدعم لفترة انتقالية تصل إلى 12 شهراً بعد الحصول على عمل، بما يفترض أن يمنح الأسر هامشاً زمنياً للانتقال من الاستفادة الاجتماعية إلى الاستقلال الاقتصادي.

وبموازاة ذلك، يقترح الأحرار آليات لتشجيع الادخار، خصوصاً لفائدة العاملين في القطاع غير المهيكل، بهدف مساعدتهم على تكوين احتياطات مالية يمكن أن تشكل لاحقاً قاعدة للاستثمار أو مواجهة فترات فقدان الدخل.

أما في ما يتعلق بالأجور، فيتضمن البرنامج وعداً برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، إلى جانب إعادة تقييم معاشات التقاعد، وهي إجراءات يقدمها الحزب باعتبارها جزءاً من سياسة تهدف إلى تحسين الدخل وليس فقط معالجة آثار ارتفاع الأسعار.

ولا يكتفي البرنامج بالشق المالي، إذ يضع الخدمات العمومية في صلب الالتزام الثاني، انطلاقاً من فكرة مفادها أن الدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بما تقدمه من دعم، وإنما كذلك بجودة الخدمات التي يحصل عليها المواطن في التعليم والصحة والماء والطاقة، بغض النظر عن مكان إقامته.

وفي قطاع الماء، يراهن الحزب على توسيع وتأمين الولوج إلى هذه المادة الحيوية من خلال مواصلة بناء السدود، وتسريع الربط بين الأحواض المائية، وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، إلى جانب اعتماد حلول محلية لتجميع مياه الأمطار.

ويولي البرنامج أهمية خاصة لما سماه شوكي «نقطة الاستهلاك الأخيرة»، أي وصول الماء فعلياً إلى المنازل، مع طرح هدف تعميم الربط الفردي بالماء في العالم القروي في أفق 2031، وهو ما يجعل تقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي أحد رهانات البرنامج.

وفي مجال الطاقة، يقترح الحزب تمكين الأسر من إنتاج الكهرباء اعتماداً على الطاقة الشمسية دون أداء مسبق، مع إمكانية بيع الفائض، إلى جانب إجراءات لحماية الفئات الهشة من ارتفاع أسعار الكهرباء خلال فترات الأزمات.

أما التعليم، فيتضمن البرنامج توسيع تجربة مدارس الريادة، وتعميم النقل والمطاعم المدرسية في العالم القروي، والعمل على خفض الهدر المدرسي إلى النصف، إضافة إلى رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 واستكمال شبكة مدن المهن والكفاءات.

وفي قطاع الصحة، يضع الحزب هدف رفع الكثافة الطبية من 30 إلى 45 مهنياً صحياً لكل عشرة آلاف نسمة في أفق 2030، وتأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وإحداث 200 مؤسسة جديدة في المناطق التي تعاني خصاصاً، إلى جانب تطوير الطب عن بعد وإطلاق الرقم الوطني الموحد للمساعدة الطبية الاستعجالية 141.

لكن الرهان الأكبر في البرنامج يبدو مرتبطاً بسوق الشغل، إذ تعهد شوكي بإحداث مليون منصب شغل خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2031، مع خفض معدل البطالة إلى 9 في المائة، واستهداف نمو اقتصادي في حدود 5 في المائة.

ويربط الحزب تحقيق هذا الهدف بتعبئة الاستثمارات في قطاعات السياحة والخدمات والصناعة والفلاحة والاقتصاد الرقمي والأوراش الكبرى، مع توزيع فرص الشغل المستهدفة بين عدد من القطاعات. وتشمل التقديرات المقدمة 300 ألف منصب في السياحة والخدمات ومهن الثقافة والفن والترفيه، و250 ألفاً في الرقمنة، و150 ألفاً في القطاع الفلاحي، فضلاً عن مناصب أخرى مرتبطة بالصناعة والأوراش الكبرى.

كما يراهن الحزب على برامج الإدماج المهني، من خلال هدف الوصول إلى 250 ألف عملية إدماج مهني سنوياً عبر التشغيل والتكوين والتأهيل.

ومن بين المقترحات التي قدمها شوكي كذلك تحويل التعويض عن فقدان العمل إلى ما سماه «منحة العودة إلى الشغل»، مع تمديد فترة الاستفادة من ستة إلى 12 شهراً وتخفيف بعض شروط الاستحقاق، على أساس تعويض يمكن أن يصل إلى 70 في المائة من الأجر المرجعي، ضمن سقف محدد.

وفي محاولة لاستهداف فئة العمال الموسميين، يقترح الحزب إحداث بطاقة للعامل الموسمي تسمح باحتساب فترات العمل ضمن الحقوق الاجتماعية، بما يشمل التغطية الصحية والتقاعد والتعويضات العائلية، إلى جانب الاستفادة من منحة العودة إلى الشغل وفق الشروط المحددة.

كما يتضمن البرنامج توجهاً نحو الحد من هشاشة بعض أشكال التشغيل، من خلال تقنين أكبر لعقود العمل محددة المدة وحصر استخدامها في حالات استثنائية، بحسب التصور الذي قدمه الحزب.

وفي الجانب المتعلق بالمبادرة الاقتصادية، يقترح الأحرار إنشاء صندوق للقروض الإنتاجية بفائدة صفر في المائة، يستهدف حاملي المشاريع والمستقلين والأشخاص الراغبين في خلق أنشطة مدرة للدخل، مع ضمان الدولة للتمويل وعدم إلزام المستفيدين بتقديم ضمانات شخصية.

ولا يقف التصور عند التمويل، إذ يشترط مواكبة وتكويناً وتتبعاً للمشاريع، مع فتح المجال أمام مغاربة العالم الراغبين في الاستثمار بالمغرب، في محاولة لتحويل التمويل العمومي إلى أداة لإنتاج الدخل وخلق فرص اقتصادية مستدامة.

سياسياً، تكشف مضامين البرنامج أن الأحرار يخوضون الاستحقاقات المقبلة بمنطق مختلف عن مرحلة 2021، إذ لم يعد الحزب أمام مهمة تقديم وعود انتخابية فقط، وإنما أمام ضرورة الدفاع عن حصيلة خمس سنوات من تدبير الحكومة، وفي الوقت ذاته إقناع الناخب بأن لديه تصوراً جديداً للمرحلة المقبلة.

ولهذا حرص شوكي خلال الندوة على تقديم البرنامج باعتباره امتداداً لمسار حكومي وتنظيمي سابق، مع الانتقال من خطاب الأوراش إلى خطاب النتائج والأثر المباشر على حياة المواطنين. فرفع الأجور، وتحسين الخدمات، وخلق مليون منصب شغل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، كلها التزامات ستضع الحزب أمام اختبار سياسي كبير إذا حصل على ثقة الناخبين.

وبهذا المعنى، فإن «مسار المستقبل» الذي قدمه محمد شوكي لا يختزل في شعار انتخابي، بل يمثل محاولة من الحزب لإعادة صياغة معركته السياسية حول سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل الدولة الاجتماعية من منظومة للحماية إلى منظومة تنتج الدخل والفرص والاستقلال الاقتصادي؟

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الأحرار هو الانتقال بهذه الأهداف من مستوى البرنامج إلى مستوى التنفيذ، خصوصاً أن عدداً من الوعود المطروحة يتطلب موارد مالية مهمة وإصلاحات مؤسساتية وتنسيقاً بين قطاعات حكومية متعددة.

وبينما بدأت الأحزاب السياسية في الكشف عن عروضها الانتخابية استعداداً لاستحقاقات 2026، وضع شوكي بذلك برنامج الأحرار أمام الرأي العام، رافعاً سقف الالتزامات في ملفات تمس الحياة اليومية للمغاربة بشكل مباشر: الدخل، الأسعار، الصحة، التعليم، الماء، الشغل، والحماية الاجتماعية.

والفيصل في النهاية لن يكون عدد الأرقام الواردة في البرنامج، وإنما قدرة الحزب على إقناع الناخبين بأن هذه الأرقام قابلة للتحقق، وأن «كرامة وفرص للجميع» يمكن أن تتحول من شعار انتخابي إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

About The Author