ملف خاص: الجيل الجديد من التنمية الترابية: بين الإنصات الملكي وصرخة المواطن في مغرب يطلب الإصلاح

IMG-20251105-WA0093-scaled-1
  1. انطلاق اللقاءات التشاورية بالعمالات والولايات: ورش وطني على اتساع الوطن

مع مطلع نوفمبر 2025، عاشت مختلف الولايات والعمالات عبر التراب الوطني على وقع انطلاق واحد من أوسع الأوراش التشاورية في العقد الأخير: لقاءات إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
في سيدي بنور، سلا، فاس، الرحامنة، الجديدة، ومراكش وغيرها، اجتمعت السلطات الترابية — ولاةً وعمالاً — مع المنتخبين، رؤساء الجماعات، ممثلي المجتمع المدني، الغرف المهنية، الفاعلين الاقتصاديين، وحتى المواطنين، في جلسات وُصفت بأنها «إنصات موسع لنبض الشارع».

هذه الاجتماعات لم تكن حدثاً عادياً ولا تقليداً إدارياً. إنها أول ترجمة عملية للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش ليوليوز 2025، والخطاب الملكي لافتتاح الدورة التشريعية. وهي خطوة تُعلن بوضوح نهاية مرحلة وبداية أخرى: مرحلة التنمية المجالية المندمجة القائمة على القرب، والمحاسبة، والالتقائية، والعدالة المجالية.

لكن… ما الذي كشفته هذه اللقاءات فعلاً؟
وما الذي قاله المواطنون والمسؤولون؟
وأي صورة خرج بها المغرب عن نفسه بعد أسبوع واحد من «الإنصات المفتوح»؟

  1. صدمة الواقع: حين تتحول لقاءات التشاور إلى لحظات اعتراف جماعي

منذ الجلسات الأولى، بدا واضحاً أن المغرب يعيش أزمة تنمية لا تحتاج إلى تقارير… بل إلى جرأة الاعتراف بها.
تدفقت الشكاوى كما لو أن الولاة والعمال أطالوا فتح صنبوراً ظلت يد بيروقراطية ما تغلقه سنوات طويلة:

  • الصحة… شبه غائبة في القرى وضعيفة في المدن.
  • التعليم… يئن من الاكتظاظ، والهدر، والخصاص.
  • النقل… كارثة يومية في المدن وضياع مطلق في القرى.
  • الماء… أزمة تزداد قسوة في مناطق بعينها.
  • التشغيل… شبه معدوم رغم البرامج المعلنة.
  • الاستثمار… معطل في عدد من الأقاليم لأسباب غير مفهومة.
  • الطرق… مهترئة أو منعدمة في العالم القروي.
  • المرافق العمومية… ضعيفة، متقادمة، أو دون مستوى انتظارات السكان.

هذه ليست مجرد مشاكل قطاعية؛ إنها خريطة مرضية متكاملة تُظهر أن النموذج التنموي الذي صرف المغرب من أجله مئات المليارات لم ينتج ما يكفي من التنمية، ولم يحقق الحد الأدنى من العدالة الترابية.

لقد بدت اللقاءات كأنها «محكمة المصارحة الوطنية»، حيث يقول كل طرف ما يعرفه، فيكتشف الجميع كم كانت الصورة العامة مغلوطة، وكم هو كبير الفارق بين المغرب الموجود على الأوراق، والمغرب الذي يعيشه المواطن يومياً.

  1. 20 مليار درهم: هل يكفي المال لعلاج جروح عمرها عقود؟

خصص مشروع قانون المالية لسنة 2026 مبلغ 20 مليار درهم كاعتمادات أولية لإطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية.
لكن هذا الرقم، رغم ضخامته، لم يُسكت السؤال الأهم:
أين ذهبت المليارات السابقة؟
وأكثر: لماذا ما زال المواطن يعاني من نفس المشاكل منذ عقدين؟

إن حقيقة هذه النقطة خطيرة:
المشكل لم يكن يوماً في التمويل، بل في تشتت التدخلات، ضعف الحكامة، غياب التنسيق، وافتقاد الرؤية الموحدة.

لقد بدا واضحاً خلال النقاشات أن أموالاً ضخمة صُرفت بلا أثر، ومشاريع أُطلقت بلا متابعة، وبرامج وُضعت بلا تقييم، ما يجعل «20 مليار درهم إضافية» أقرب إلى محاولة إنقاذ سياسية منها إلى خطة لتغيير بنيوي.

  1. صحة مريضة: قطاع يرفع راية الاستسلام في كل الأقاليم

كانت الصحة العنوان الأكثر حضوراً في كل اللقاءات.
من فاس إلى سلا، ومن الرحامنة إلى الجديدة، ومن سيدي بنور إلى مراكش، يكاد المواطنون يكررون نفس الجملة:
“لا يوجد طبيب، لا يوجد دواء، ولا توجد خدمة عمومية تحفظ كرامتنا.”

المراكز الصحية المغلقة أو التي تعمل دون تجهيزات، المستشفيات التي تعجز عن استقبال الحالات، غياب الأطر، ضعف الحكامة، وطوابير الانتظار التي تمتد من الصباح إلى الليل… كلها مؤشرات على انهيار منظومة كان يُفترض أنها في طور الإصلاح منذ سنوات.

اللقاءات التشاورية لم تُظهر فقط واقعاً صعباً، بل أظهرت فجوة رهيبة بين ما يقال في بعض الخطابات القطاعية، وما يعيشه المواطن كل يوم.
وهذا ما يجعل ورش التنمية الترابية الجديدة فرصة لإعادة هيكلة القطاع من زاوية القرب والتوزيع العادل للخدمات، وليس من زاوية الموازنات فقط.

  1. التعليم: مدرسة وطنية بلا نفس ولا موارد

المجالس والمنتخبون والنقابيون قدموا صورة قاتمة عن المدرسة المغربية:
أقسام مكتظة، خصاص مهول في الأساتذة، مؤسسات متهالكة، ضعف النقل المدرسي، وهدر مدرسي متصاعد.
هذه ليست مشاكل تقنية، بل قنابل اجتماعية تنفجر كل يوم في صمت.

المفارقة أن المدارس التي بُنيت سابقاً ضمن “مخططات التنمية” بقيت دون صيانة أو تطوير، وكأن الاستثمار في التعليم كان مجرد حملة انتخابية لا ورشاً وطنياً.

التعليم كان ولا يزال نقطة الضعف الكبرى التي تفضح كل نموذج تنموي يفشل في بناء الإنسان قبل البنيات.

  1. الماء… حين يتحول الأصل إلى أزمة وطنية

أغلب العمالات تحدثت عن شح المياه، ضعف البنيات، الحاجة إلى محطات التحلية الصغيرة والمتوسطة، تراجع الفرشاة المائية، واستنزاف السدود الصغيرة.
ولم يخفِ بعض المسؤولين أن عدداً من الجماعات لا تزال عاجزة حتى عن ضمان ماء صالح للشرب بشكل مستمر.

هذا الوضع يجعل التنمية الترابية مرهونة بوجود الماء كشرط أساسي، ويجعل الجيل الجديد من البرامج مُلزماً بحلول واقعية وفورية، لا بخطط 2030 و2040.

  1. الطرق والنقل: رُقع مؤقتة فوق خراب ممتد

في كل الأقاليم تقريباً، كان مشكل الطرق القروية والنقل الحضري من أكثر النقاط التي فجّرت غضب السكان:

  • طرق غير معبدة منذ الاستقلال
  • مسارات تنقطع مع أول مطر
  • نقل مدرسي قاتل
  • حافلات متهالكة
  • جماعات بلا رؤية ولا تخطيط

الوضع يبين شيئاً واحداً:
أن المغرب صرف مليارات كثيرة على الطرق، لكن توزيعها كان غير عادل وغير فعال، ما جعل بعض المناطق تبدو وكأنها خارج أي خريطة للاستثمار العمومي.

  1. الاستثمار وفرص الشغل: لماذا تفشل الأقاليم كل مرة؟

في فاس، اشتكى الفاعلون من “تعقيدات الإدارة”.
في سلا، من غياب المناطق الصناعية الجاهزة.
في الرحامنة، من غياب شروط الاستقطاب.
في سيدي بنور، من اقتصاد فلاحي هش وفاقد للقيمة المضافة.
وفي الجديدة، من غياب التشبيك الاقتصادي بين الميناء والفلاحة والصناعة.

الواضح أن المغرب تنموياً هو مجموعة جزر معزولة، وليست منظومة موحدة.
وهذا ما يجعل البطالة ترتفع رغم كثرة البرامج، لأن الأقاليم لا تتوفر على بيئة استثمارية مستقرة.

  1. النموذج التنموي القديم… سؤال مُر: أين ذهب؟ ولماذا فشل؟

كثير من المتدخلين، خصوصاً في فاس والجديدة ومراكش، لم يترددوا في طرح سؤال مؤلم:
أين ذهبت برامج التنمية السابقة؟
برنامج “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”…
برنامج “تنمية العالم القروي”…
برامج الجهوية…
برامج المدن الكبرى…
ثم “النموذج التنموي الجديد” الذي كان يفترض أن يشكل اختراقاً وطنياً.

الجواب الواضح الذي خرج من اللقاءات:
لم يفشل النموذج التنموي لأنه سيء، بل فشل لأنه لم يُطبّق كما صُمم.
فشل لأن الجماعات الترابية ضعيفة، البرلمان غير صارم، الحكومة بلا تنسيق، والبرامج تُنفذ دون تتبع ومحاسبة.

  1. من يتحمل المسؤولية؟ إصبع الاتهام يوجّه للمنظومة الترابية كلها

بعد أسبوع من التشاور الوطني، خرجت صورة واحدة:
المنظومة الترابية المغربية تحتاج إعادة بناء شاملة.

المسؤولية موزعة بوضوح:

  • الجماعات المحلية… لأنها أخفقت في التخطيط، والتنفيذ، والابتكار.
  • الجهات… لأنها لم تستطع لعب دور “المحرك الاقتصادي” كما أراد له الدستور.
  • الحكومة… لأنها تركت البرامج تتداخل بلا تنسيق، وتركت الفوارق المجالية تتوسع.
  • البرلمان… لأنه لم يسائل ولم يحاسب ولم يفرض التقييم.

هذه الصورة القاتمة ليست هجوماً، بل اعترافاً جماعياً ظهر جلياً في كل اللقاءات.

  1. المبادرة الملكية: لحظة تصحيح لمسار دولة بأكملها

خطاب العرش وخطاب افتتاح البرلمان كانا واضحين:
الدولة الترابية يجب أن تُعاد هندستها بالكامل.
الملك لمّح — بشكل قاسٍ وغير مسبوق — إلى أن السياسات السابقة لم تحقق العدالة المجالية وأن النموذج الحالي يحتاج استبدالاً فورياً ببرامج ذات أثر مباشر.

وهكذا تصبح اللقاءات التشاورية بمثابة:

  • تشخيص علني للأعطاب
  • تفويض ملكي للولاة والعمال لإعادة ترتيب البيت الترابي
  • إعلان نهاية مرحلة المجاملة السياسية
  • بداية دستور فعلي للحكامة المحلية

إنه تحول جذري لا يقل أهمية عن ورش الجهوية المتقدمة نفسه.

  1. نحو جيل جديد من التنمية: بين إنصات الدولة وغضب المواطن

إذا كان نوفمبر 2025 قد شهد انطلاق “لقاءات الإنصات”، فإن 2026 سيكون سنة محاسبة الإنجاز.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تقوم على:

  • مشاريع واقعية لا وعود انتخابية
  • توزيع عادل للموارد
  • شجاعة اتخاذ القرار
  • إنهاء زمن الأعذار
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة على الأرض وليس على الورق

لقد قالت اللقاءات شيئاً واحداً:
المغرب يمكن أن يتغير… لكن بشرط واحد: أن يتحمل كل طرف مسؤوليته كما ينبغي.

هذه اللقاءات التشاورية لم تكن لحظة بروتوكولية، ولا “مسرحية” كما حاول البعض تصويرها.
كانت مرآة وطنية كشفت حجم الإهمال الذي عاشته التنمية المجالية سنوات طويلة.
وإذا كان الملك قد فتح باب الإنصات، فعلى الجميع أن يفتح باب العمل، لأن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى رجال دولة، مؤسسات قوية، وإرادة حقيقية للقطع مع الماضي.

 

About The Author