تعيش مدينة الجديدة مفارقة صارخة تختزل إشكالية التنمية غير المتوازنة: ثروة فوسفاطية ضخمة تتدفق من أحد أكبر الأقطاب الصناعية بالمملكة، مقابل واقع اجتماعي يتسم بارتفاع البطالة، وتزايد الشكاوى المرتبطة بالتلوث، وشعور متنامٍ لدى فئات واسعة من الساكنة بالتهميش والإقصاء.
في قلب هذه المعادلة يقف المركب الصناعي التابع لـ المكتب الشريف للفوسفاط، الممتد على مستوى المنطقة الصناعية بـ الجرف الأصفر، والذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة وفرص الشغل المباشرة وغير المباشرة. غير أن جزءاً من الرأي العام المحلي يرى أن العائد الاجتماعي لهذه الثروة لا ينعكس بالقدر الكافي على واقع المدينة وساكنتها.
بطالة وشبهات إقصاء في التوظيف
أبرز الانتقادات المتداولة محلياً تتعلق بملف التشغيل، حيث يعبر عدد من الشباب عن استيائهم مما يعتبرونه محدودية فرص الولوج إلى مناصب الشغل داخل المركب الصناعي، مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي الذي تعرفه المنطقة. وتُثار، في هذا السياق، اتهامات بوجود اختلالات في مساطر التوظيف، من قبيل المحسوبية أو تفضيل أبناء العاملين، وهي معطيات تحتاج إلى تدقيق مؤسساتي شفاف لتأكيدها أو نفيها بشكل رسمي.
في المقابل، يؤكد مسؤولون في القطاع أن عمليات التوظيف تخضع لمعايير تقنية ومباريات منظمة، وأن المؤسسة تعتمد برامج للتكوين والإدماج، غير أن الفجوة في التواصل تظل قائمة، ما يغذي الإحساس بالإقصاء لدى فئات من الشباب الحاملين للشهادات.
هواجس بيئية وصحية متصاعدة
إلى جانب ملف التشغيل، يطفو على السطح ملف التأثيرات البيئية للمركب الكيماوي، خاصة ما يتعلق بالانبعاثات الصناعية والروائح المنبعثة أحياناً في محيط المدينة. عدد من الفاعلين الجمعويين والساكنة يعبرون عن تخوفهم من انعكاسات محتملة على الصحة العامة، مطالبين بإجراء دراسات مستقلة ودورية حول جودة الهواء والمياه، ونشر نتائجها للعموم تعزيزاً لمبدأ الحق في المعلومة.
وتشكل المنطقة الصناعية بالجرف الأصفر أحد أكبر الأقطاب الكيماوية بإفريقيا، ما يفرض، وفق خبراء، تعزيز منظومات المراقبة البيئية والتواصل المؤسساتي، لضمان التوازن بين متطلبات الإنتاج الصناعي وحماية المجال الإيكولوجي وصحة المواطنين.
تفاوت اجتماعي صارخ
من بين النقاط التي تثير الجدل أيضاً، ما يُوصف بالفوارق الاجتماعية بين العاملين بالمركب الصناعي وباقي ساكنة المدينة. فبينما يستفيد المستخدمون من أنظمة تعويضات وتأمين صحي متقدم وخدمات اجتماعية ورياضية، يرى بعض المواطنين أن المدينة في المقابل تعاني من خصاص في البنيات الصحية وفرص الشغل، ما يعمق الإحساس بعدم العدالة المجالية.
كما تُثار تساؤلات حول السياسة العقارية المرتبطة بتوسع المجال الصناعي، خاصة ما يتعلق بتفويت أراضٍ أو نزع ملكيات في فترات سابقة، وهي ملفات تحتاج إلى قراءة قانونية وتاريخية دقيقة بعيداً عن الأحكام المسبقة.
الحاجة إلى مقاربة تنموية متوازنة
أمام هذه المعطيات، يبرز مطلب إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة الصناعية ومحيطها الاجتماعي، عبر:
-
تعزيز الشفافية في التوظيف ونشر المعطيات المرتبطة بالمباريات
-
توسيع برامج المسؤولية الاجتماعية لفائدة شباب المدينة
-
الاستثمار في مشاريع صحية وبيئية محلية ملموسة
-
إرساء آليات دائمة للحوار مع الفاعلين المدنيين
فالتنمية الصناعية، مهما بلغت أهميتها، تظل رهينة بمدى قدرتها على تحقيق العدالة المجالية وخلق أثر اجتماعي إيجابي ومستدام.
بين الواقع والطموح
تبقى الجديدة مدينة ذات إمكانات كبرى، تجمع بين مؤهلات اقتصادية وسياحية وبحرية مهمة. غير أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل الثروة الصناعية إلى رافعة تنموية شاملة، تضمن إدماج الشباب، وتحسين جودة الحياة، وتكريس مبدأ الإنصاف في الاستفادة من عائدات الثروة.
وفي انتظار خطوات عملية تعزز هذا التوازن، يستمر النقاش المحلي حول سبل جعل التنمية أكثر قرباً من المواطن، وأكثر انسجاماً مع تطلعات مدينة تطمح إلى مستقبل يليق بثروتها وموقعها الاستراتيجي.
