الجديدة تحت رحمة الأوراش المتوقفة: بعد انقشاع الغيوم، هل تتدخل عمالة الإقليم لإنقاذ الزمن التنموي؟
بعد توقف التساقطات المطرية التي شكّلت سببًا موضوعيًا في تعثر عدد من الأوراش، تجد مدينة الجديدة نفسها اليوم أمام سؤال حاسم: لماذا لا تعود الأشغال إلى الوتيرة الطبيعية؟ ولماذا يستمر الشلل في مشاريع يفترض أنها مهيكلة، تمس هوية المدينة وصورتها وحق ساكنتها في فضاء حضري محترم؟ هنا تبرز، بإلحاح، مسؤولية سلطات عمالة الإقليم في التدخل العاجل لتسريع وتيرة الأشغال، وضبط الزمن، ووضع حد لحالة الانتظار المفتوح التي أفرغت التنمية من معناها.
الجديدة تحولت، في نظر سكانها، إلى ورش كبير بلا سقف زمني. في البداية، سادت لغة التفاؤل مع إطلاق مشاريع لإعادة التهيئة، قبل أن يستفيق الجميع على واقع مقلق: آليات متوقفة، حفر مفتوحة تبتلع الشوارع، ومسارات حيوية مشلولة. ما يحدث اليوم في شاطئ المدينة، وحديقة محمد الخامس، وعدد من الشوارع الرئيسية، لم يعد مجرد “تأخر تقني” عابر، بل أصبح خللًا بنيويًا يضرب عمق الهوية التاريخية والسياحية لعاصمة دكالة.
الشاطئ ليس فضاءً ثانويًا يمكن التساهل في تدبيره، بل هو الرئة السياحية والاقتصادية للمدينة، ومرآتها الأولى لدى الزوار. استمرار تعثر الأشغال أو توقفها به يعني عمليًا تحويل الواجهة البحرية إلى مشهد أطلال، وضرب مداخيل التجار والمهنيين، وحرمان الساكنة من متنفس طبيعي يشكل جزءًا من كرامتها وجودة عيشها. بعد انقضاء مبرر الأمطار، يصبح استمرار الجمود غير مفهوم، ويستدعي تدخلًا صارمًا لإعادة الروح إلى هذا الفضاء الحيوي.
أما حديقة محمد الخامس، القلب الأخضر والذاكرة الجماعية للمدينة، فقد تحولت إلى مساحة مغلقة ومعزولة، تطوقها أسوار مهترئة، في مشهد لا يليق بتاريخ معلمة شكّلت لعقود مفخرة “مازاغان”. توقف الأشغال هنا ليس فقط تعطيلًا لمشروع، بل مساس مباشر بالجمالية الحضرية، وإهانة لذاكرة مدينة تبحث عن التوازن بين التحديث والحفاظ على رموزها.
سياسة الأوراش المفتوحة دون آجال واضحة تطرح أسئلة ثقيلة حول دور المجالس المنتخبة، وحول مستوى المراقبة والتتبع من طرف السلطة المحلية. هل يعقل أن تُترك مدينة بحجم الجديدة رهينة للفوضى والارتباك دون تدخل حازم؟ الواقع يعكس غياب رؤية استراتيجية، واستهتارًا غير مقبول بالزمن التنموي، في تناقض صارخ مع التوجيهات الملكية المتكررة التي تجعل احترام الآجال وربط المسؤولية بالمحاسبة أساس كل تنمية.
ساكنة الجديدة لم تعد تطالب بالمستحيل، بل بحق بسيط: إنهاء الأشغال، إعادة الحياة للمدينة، واحترام الزمن. تدبير الشأن العام ليس امتيازًا، بل مسؤولية تقتضي الحزم والمساءلة. وبعد توقف التساقطات المطرية، لم يعد هناك أي مبرر لاستمرار التراخي. الكرة اليوم في ملعب عمالة الإقليم، التي يُنتظر منها التحرك العاجل، والنزول الميداني، وتسريع وتيرة الإنجاز، حتى لا تتحول مشاريع التنمية إلى عناوين للفشل، ولا تظل مدينة بأكملها تحتضر في صمت.
