الجديدة.. سيدي صالح داحا يراهن على التدبير الميداني ويضع الملفات الثقيلة أمام الاختبار
منذ تعيينه عاملاً على إقليم الجديدة، اختار سيدي صالح داحا أن يجعل الحضور الميداني وتتبع الملفات على أرض الواقع جزءاً بارزاً من طريقة اشتغاله، في إقليم تتقاطع فيه رهانات التنمية والاستثمار والتأهيل الحضري والنقل والخدمات الاجتماعية، إلى جانب تحديات العالم القروي والاستعداد للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ويظهر هذا التوجه من خلال سلسلة من التحركات التي لم تقتصر على الاجتماعات الإدارية داخل مقر العمالة، بل امتدت إلى الجماعات الترابية ومواقع الأوراش، حيث قاد العامل زيارات ميدانية للوقوف على سير المشاريع، من بينها الزيارة التي قام بها رفقة رئيس جهة الدار البيضاء-سطات إلى البئر الجديد وجماعة لغديرة، والتي ارتبطت بتتبع مشاريع مهيكلة وتهيئة مراكز حضرية ومناطق صناعية، مع التأكيد على تسريع وتيرة الإنجاز وتجاوز العراقيل التي قد تعترض المشاريع.
هذه المقاربة تعكس، في جوهرها، انتقالاً من منطق انتظار التقارير إلى محاولة معاينة الملفات في مواقعها الأصلية، وهو أسلوب يكتسي أهمية خاصة في إقليم واسع تتفاوت فيه حاجيات المدينة عن حاجيات المراكز القروية والجماعات التابعة للإقليم. فالطرق والمسالك، والتأهيل الحضري، والمناطق الصناعية، والخدمات الأساسية، لا يمكن قياس أثرها الحقيقي فقط من خلال التقارير الإدارية، وإنما من خلال ما يلمسه المواطن على الأرض.
النقل الحضري.. ملف ثقيل يدخل مرحلة جديدة
ومن أبرز الملفات التي حملت بصمة التدخل الإقليمي خلال الأيام الأخيرة، قضية النقل الحضري بمدينة الجديدة. فقد طلب عامل الإقليم إدراج نقطة مرتبطة بهذا الملف ضمن جدول أعمال المجلس الجماعي، قبل أن يصادق المجلس، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة في الثالث من شتنبر 2026، بالإجماع على الترتيبات المرتبطة بالمرحلة الجديدة للنقل الحضري.
أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بقطاع النقل، وإنما بكون الملف ظل لسنوات واحداً من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لسكان المدينة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالطلبة والعمال والأسر وبالحركية الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
وهنا يبرز الدور التنسيقي للعامل باعتباره ممثل السلطة المركزية بالإقليم، خصوصاً في الملفات التي تتجاوز قدرة جماعة واحدة على معالجتها منفردة، وتتطلب تنسيقاً بين الجماعات والسلطات والمصالح الخارجية والمؤسسات المعنية.
والأهم أن نجاح هذا المسار لن يقاس بالقرارات المتخذة أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرة المنظومة الجديدة على تقديم خدمة منتظمة ومحترمة لانتظارات السكان، وهو اختبار عملي سيحدد مدى نجاح المقاربة الجديدة في تدبير هذا الملف.
من موسم مولاي عبد الله إلى اختبار الحضور الميداني
وفي ملف آخر شديد الحساسية، برز حضور عامل الإقليم خلال موسم مولاي عبد الله أمغار، الذي شكل خلال دورة 2026 تحدياً تنظيمياً ولوجستياً كبيراً بالنظر إلى حجم الإقبال الذي تعرفه هذه التظاهرة.
وتشير التغطيات المحلية إلى أن سيدي صالح داحا حرص خلال السهرة الختامية على تتبع الوضع ميدانياً، بعيداً عن الصورة البروتوكولية المعتادة، في سياق تعبئة المصالح المعنية لتأمين ظروف تنظيم مناسبة لهذه التظاهرة التي تجمع بين بعدها الديني والثقافي والسياحي.
وهذا الملف مهم في تقييم أداء الإدارة الترابية، لأن تنظيم تظاهرة بهذا الحجم لا يرتبط فقط بالبرنامج الفني أو الاحتفالي، وإنما بمنظومة كاملة تشمل الأمن والسلامة والنظافة والسير والجولان والولوج إلى الموقع وتدبير حركة الزوار والتدخل السريع عند الحاجة.
العالم القروي.. التنمية لا تتوقف عند حدود الجديدة
ومن المؤشرات اللافتة كذلك توجيه جزء من التحرك الميداني نحو الجماعات القروية، وعلى رأسها البئر الجديد ولغديرة، بما يعكس محاولة إدماج المراكز والجماعات التابعة للإقليم في التصور التنموي العام.
وقد ارتبطت الزيارات الميدانية بتتبع أوراش مرتبطة بالبنيات التحتية والتهيئة ومراكز الجماعات والمناطق الصناعية، وهي ملفات تكتسي أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تحقيق عدالة مجالية بين مدينة الجديدة وباقي مكونات الإقليم.
وتزداد أهمية هذا المسار مع تصاعد انتظارات سكان العالم القروي من خدمات النقل المدرسي والطرق والمسالك والماء والتطهير والإنارة والخدمات الصحية والتعليمية، وهي ملفات لا يمكن فصلها عن معركة محاربة الفوارق المجالية.
أكثر من 1.2 مليار درهم.. أوراش كبرى ترفع سقف الانتظارات
وفي الخلفية توجد أوراش تنموية واستثمارية كبيرة للجديدة الكبرى، تحدثت بشأنها مصادر محلية عن غلاف مالي يتجاوز 1.2 مليار درهم، وهو رقم يرفع سقف الانتظارات من الإدارة الترابية وباقي المتدخلين، ويجعل المرحلة المقبلة مرتبطة أساساً بسرعة إخراج المشاريع وجودة تنفيذها وليس فقط بالإعلان عنها.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم رهانات المرحلة التي يقودها العامل سيدي صالح داحا: تحويل تعدد المشاريع والبرامج إلى تغيير محسوس في صورة المدينة والإقليم، سواء على مستوى الطرق والبنيات التحتية والتأهيل الحضري أو على مستوى الاستثمار والخدمات والمرافق.
عامل الإقليم أمام اختبار النتائج
ورغم أن الحديث عن حصيلة العامل لا يزال سابقاً لأوانه، بحكم حداثة توليه المسؤولية، فإن ملامح أسلوب التدبير بدأت تظهر من خلال كثافة التحركات الميدانية وتعدد الملفات التي دخلت مرحلة المعالجة أو إعادة التحريك.
وتكشف هذه الدينامية أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط بتدبير الملفات اليومية، بل بمحاولة إعادة ترتيب الأولويات داخل إقليم يملك إمكانات اقتصادية وسياحية وصناعية كبيرة، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات متراكمة على مستوى النقل والتأهيل الحضري والخدمات والطرق والتنمية القروية.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي أمام سيدي صالح داحا لن يكون في عدد الاجتماعات أو الزيارات الميدانية، وإنما في قدرة هذه التحركات على إنتاج نتائج قابلة للقياس: طرق أفضل، نقل حضري أكثر انتظاماً، مشاريع تنموية تتقدم وفق آجال واضحة، مراكز قروية أكثر تأهيلاً، خدمات عمومية أقرب إلى المواطن، واستثمار قادر على خلق قيمة مضافة وفرص شغل.
وبينما تستعد الجديدة لمرحلة جديدة من الأوراش الكبرى، تبدو مهمة العامل مرتبطة بتحويل الحضور الميداني إلى حكامة تنفيذية، وتحويل المشاريع المبرمجة إلى منجزات فعلية، وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين بدل بقاء المسؤوليات موزعة بين المؤسسات.
وهذه هي النقطة التي ستحدد في نهاية المطاف صورة المرحلة: ليس حجم ما يقال عن التنمية، وإنما مقدار ما يراه المواطن فعلياً في الشارع، وفي وسيلة النقل، وفي الطريق، وفي المركز القروي، وفي جودة الخدمات، وفي سرعة إنجاز المشاريع.
إن سيدي صالح داحا يدخل بذلك مرحلة دقيقة في تدبير إقليم من أكثر أقاليم جهة الدار البيضاء-سطات حساسية من حيث موقعه الاقتصادي والاستثماري والسياحي، وما يظهر إلى حدود الآن هو رهان واضح على النزول إلى الميدان وتحريك الملفات الثقيلة؛ أما الحكم النهائي، فسيظل مرتبطاً بما ستنتجه هذه الدينامية من نتائج ملموسة خلال المرحلة المقبلة.
