الحي البرتغالي بالجديدة: “مازاغان” التي تسحر السينمائيين وتستغيث من أجل رد الاعتبار
خلف أسواره العالية التي تحكي قصص صمود دامت قروناً، يقف الحي البرتغالي (مازاغان) بمدينة الجديدة، شامخاً كأحد أبرز المعالم المسجلة ضمن التراث العالمي لليونسكو. هذا “الحصن” الذي يزاوج بين العمارة العسكرية البرتغالية والروح المغربية الأصيلة، لم يعد مجرد موقع أثري، بل تحول إلى بلاتوه سينمائي مفتوح وملاذ عشقه الفنانون والسياح من كل بقاع العالم.
بلاتوه عالمي: حين تقع الكاميرا في حب “مازاغان”
لطالما كان الحي البرتغالي “قبلة” لعمالقة السينما العالمية والوطنية؛ فبأزقته الضيقة، وأقواس “المسقاة” (Cisterne) الأسطورية التي تعكس الضوء بجمالية سحرية، استضاف الحي تصوير كبريات الأفلام، لعل أشهرها فيلم “أوثيلو” (Othello) للمخرج العالمي أورسن ويلز، الذي وجد في جدران الحصن وصدى أمواج المحيط خلف أسواره مسرحاً مثالياً لمأساة شكسبير. واليوم، لا يكاد يمر شهر دون أن تحط كاميرات مخرجين مغاربة وأجانب رحالها هنا، مستلهمة من روح المكان قصصاً تجمع بين عبق التاريخ وسحر المكان.
ملاذ السياح.. سفر عبر الزمن
بالنسبة للسائح، فإن دخول الحي البرتغالي عبر “باب البحر” أو “باب المدينة” هو بمثابة رحلة عبر الزمن. يتميز الحي بخصائص فريدة تجعل منه “متحفاً حياً”:
-
المسقاة البرتغالية: التي تعد تحفة معمارية قوطية غارقة تحت الأرض.
-
الأسوار المنيعة: التي توفر إطلالة بانورامية تجمع بين زرقة الأطلسي وبياض المدينة.
-
التعايش الديني: حيث تتجاور الكنائس التاريخية بالمساجد، في صورة تجسد قيم التسامح التي ميزت “مازاغان” عبر العصور.
نداء الاستغاثة: تراثنا في خطر!
لكن، وخلف هذا الوهج السينمائي والسياحي، يخفي الحي البرتغالي “ندوباً” لا يمكن تجاهلها. فالحي يعاني اليوم من تصدعات في بعض أسواره وتدهور في بعض بناياته التاريخية، مما يفرض دق ناقوس الخطر.
إن الحاجة أصبحت ماسة اليوم لتدخل عاجل يشمل:
-
برنامج ترميم شامل: لا يكتفي بالواجهات، بل يمس عمق البنيات الآيلة للسقوط.
-
العناية بالنظافة والإنارة: وتطوير المسارات السياحية بما يليق بموقع مسجل عالمياً.
-
تثمين “المسقاة”: وحمايتها من الرطوبة والتآكل، وتوفير شروط استقبال احترافية للسياح.
مسؤولية مشتركة
إن الاهتمام بالحي البرتغالي ليس ترفاً، بل هو استثمار في ذاكرة الوطن ومستقبله الاقتصادي. إن بقاء هذا الحي صامداً يتطلب تظافر جهود وزارة الثقافة، السلطات المحلية، والمجتمع المدني، لضمان ألا تتحول هذه “الجوهرة” إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ، بل تظل “رئة” نابضة بالحياة والفن والجمال في قلب الجديدة.
