العامل داحا “رجل القرب” يودع الجبال بالدموع.. ومستقبله ينتظره في “قطب الصناعة”!زغاريت و تصفيق حار يؤثث لحظة مؤثرة بتاونات

IMG-20251108-WA0004-780x470

شهد إقليم تاونات، عصر أمس السبت (8 نونبر 2025)، واحداً من أكثر مشاهد الوداع الإداري استثنائية في تاريخ الإدارة الترابية الحديثة بالمغرب. فقد تحوّل حفل تنصيب العامل الجديد، الذي ترأسه وزير التربية الوطنية السيد محمد برادة بصفته موفداً ملكياً، إلى مناسبة لتكريم رجل دولة استثنائي: صالح داحا، الذي غادر الإقليم بعد سبع سنوات من العمل الميداني المكثف، تاركاً وراءه إرثاً من الإنجازات ودموع الاعتراف الشعبي.

لم يكن الوداع روتينياً، ولا مجرد حفل بروتوكولي كما جرت العادة، بل كان لحظة رمزية جامعة بين الدولة والمجتمع، بين الرسمي والعفوي، عبّرت عن تقدير نادر لمسؤول استطاع أن يجمع بين الصرامة الإدارية والإنسانية في التدبير، فاستحق أن يوصف من قبل ساكنة الإقليم بـ”عامل القرب” و”رجل الدولة الهادئ”.

تكريم ملكي وإشادة وزارية غير مألوفة

أبرز ما ميّز حفل التنصيب هو الرسالة الملكية الضمنية التي حملها حضور موفد ملكي رفيع المستوى. فحين خرج الوزير محمد برادة عن المألوف في كلمته، ليُشيد بمناقب العامل المغادر ويثني على كفاءته وقدرته على تنزيل التوجيهات الملكية في واحدة من أصعب المناطق الجبلية بالمملكة، بدا واضحاً أن الأمر يتجاوز المجاملة.

برادة لم يتحدث عن “عامل تاونات” فحسب، بل عن نموذج إداري يُجسد فعلياً روح “الإدارة المواطنة”، التي دعا إليها جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، مؤكداً أن خدمة المواطن والاقتراب من قضاياه اليومية هي المعيار الحقيقي لنجاح المسؤول الترابي.

دموع الوداع… وزغاريد العرفان

ما إن انتهت الكلمات الرسمية، حتى تحوّل الحفل إلى مشهد مؤثر نادر الحدوث. وقف الحاضرون جميعاً، من منتخبين وفاعلين مدنيين وأعيان، ليصفقوا طويلاً للعامل المغادر. كانت دموع الامتنان تسبق التصفيق، فيما تعالت الزغاريد داخل القاعة وخارجها، في لحظة إنسانية صادقة عبّرت عن حجم التقدير الشعبي.

خارج القاعة، تجمّعت وفود من ساكنة تاونات لتودّع الرجل الذي عرفوه في القرى قبل المدن، في الطرق المعبدة حديثاً قبل المكاتب. لم يكن وداع مسؤول إداري، بل وداع قائد ميداني عاش معهم تفاصيل المعاناة اليومية، وساهم في تغيير واقع مناطق كانت منسية لعقود.

حصيلة من العمل والإنجازات

حين نعود إلى سبع سنوات من عمل صالح داحا في تاونات، نجد أن الرجل لم يشتغل على الملفات من خلف المكاتب، بل جعل من الميدان مكتبه الأول.
في عهده، تحولت التوجيهات الملكية المتعلقة بمحاربة الهشاشة والعزلة إلى مشاريع ملموسة على الأرض، أبرزها:

  • فك العزلة الطرقية عبر تعبيد وفتح العشرات من المسالك الجبلية، أبرزها الطريق الإقليمية 5310 التي ربطت دواوير معزولة بالمراكز الاقتصادية.

  • تعزيز التنمية البشرية من خلال أزيد من 1500 مشروع في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، استهدفت الشباب والنساء القرويات وحاملي المشاريع الصغرى.

  • تحسين الخدمات الاجتماعية بتوسيع شبكات الماء والكهرباء بالوسط القروي، وبناء مؤسسات تعليمية وصحية جديدة في مناطق نائية.

  • تشجيع الفلاحة التضامنية عبر دعم زراعة الزيتون والتين وإنشاء تعاونيات شبابية، ما ساهم في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية.

هذه الإنجازات لم تكن مجرد مشاريع رقمية في التقارير، بل تغييرات ملموسة في حياة الناس، انعكست في نظرة ساكنة تاونات لمسؤولهم، وهو ما يفسّر المشهد العاطفي غير المسبوق لوداعه.

من “قلعة الجبال” إلى “دكالة الاقتصادية”: مهمة جديدة

بعد أن طبع بصمته في إقليم جبلي معقد، يأتي انتقال صالح داحا إلى قيادة إقليم الجديدة كخطوة استراتيجية تعكس الثقة الملكية في قدراته على تسيير الملفات الكبرى.
الجديدة ليست مجرد إقليم ساحلي، بل رئة اقتصادية وطنية تضم مركب الجرف الأصفر، ومركزاً صناعياً وفلاحياً وسياحياً ضخماً يحتاج إلى قيادة ميدانية متوازنة بين الصرامة في التدبير والحس الاجتماعي.

التحديات التي تنتظر داحا في الجديدة ليست سهلة:

  • ضبط التوازن بين الاستثمارات الصناعية الكبرى ومتطلبات البيئة وجودة الحياة.

  • مواجهة النمو الحضري المتسارع نتيجة الهجرة القروية التي تتدفق نحو المدينة من مختلف جهات المملكة.

  • استثمار خبرته في إدماج الشباب في سوق الشغل عبر مشاريع التكوين والتشغيل المحلي، بدل الاكتفاء بوعود مؤجلة.

  • تثمين الرأسمال الثقافي والسياحي للجديدة وأزمور، وتحويله إلى قوة ناعمة تدعم التنمية.

دروس تاونات ورسائل للجديدة

ما أنجزه صالح داحا في تاونات يمكن أن يشكل نموذجاً للإدارة الترابية الذكية التي لا تكتفي بالتسيير، بل تبني الثقة بين المواطن والدولة. لقد فهم الرجل أن التنمية ليست في الأوراق، بل في تغيير واقع الناس.
واليوم، وهو يدخل الجديدة، فإن الرهان أكبر: أن تتحول تجربته إلى مرجع لتدبير الأقاليم الاقتصادية الكبرى بروح إنسانية، وبمنهج القرب الذي يترجم فعلياً التوجيهات الملكية.

رسالة ضمنية في زمن الشعارات

في زمنٍ طغت فيه الشعارات على الإنجاز، يُعيد مشهد وداع داحا إلى الأذهان سؤالاً أعمق: هل نحتاج إلى مزيد من الخطابات أم إلى رجال ميدان؟
لقد أظهرت تاونات أن المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل فقط مسؤولاً يسمعهم ويعمل بينهم. هذا هو جوهر “الكرامة الإدارية” التي أصبحت نادرة في زمن السياسات المتخمة بالوعود الفارغة.

فبينما تُغرق حكومة أخنوش الشارع في دوامة الوعود اللامتحققة، من تحسين المعيشة إلى خلق فرص الشغل، يبرز نموذج مثل داحا كبرهان على أن التنمية لا تُصنع بالشعارات، بل بالإرادة، وبالقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.

 وداع يليق برجال الدولة

حين ذرف سكان تاونات دموعهم وهم يودّعون عاملهم، لم يكونوا يودّعون شخصاً، بل مرحلة من العمل الجاد الذي لم يعرف المزايدة ولا التباهي. مرحلة أثبتت أن الإدارة حين تشتغل بروح المواطنة، تستطيع أن تصنع فرقاً حقيقياً حتى في أكثر الأقاليم هشاشة.

من تاونات إلى الجديدة، يستمر خيط الثقة بين المواطن والإدارة في التمدد، مع رجل أدرك أن الدولة ليست فقط قوانين وقرارات، بل قيم ومسؤولية.
وداحا اليوم لا يحمل فقط حقيبة عامل، بل يحمل معه تجربة ناجحة، ورسالة واضحة:

أن خدمة الوطن لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى رجال يصنعون الأثر في صمت.

About The Author