المسقاة البرتغالية بالجديدة… تراث عالمي خلف الأبواب المغلقة ومدينة تُفرّط في ذاكرتها

WhatsApp Image 2025-12-29 at 11.54.30

في قلب المدينة العتيقة للجديدة، وتحت أسوار مازاغان المصنّفة تراثًا عالميًا من طرف منظمة اليونسكو، ترقد المسقاة البرتغالية في صمت ثقيل، كأنها خارج الزمن، وكأنها لا تعني أحدًا. معلمة نادرة، لا مثيل لها في شمال إفريقيا، تحوّلت من جوهرة معمارية وتاريخية إلى فضاء موصد، مهمل، ومغيّب عن السياحة والذاكرة الجماعية، في مشهد يختزل فشل تدبير التراث وضياع البوصلة الثقافية للمدينة.

المسقاة، التي تعود إلى القرن السادس عشر، ليست مجرد بناية حجرية قديمة، بل تحفة هندسية عبقرية، اشتهرت بقبّتها الضخمة وانعكاسات الضوء على سطح مياهها، وبقدرتها على تحويل خطوات الزائر إلى تجربة سمعية وبصرية فريدة. كانت مقصدًا للسياح والباحثين والمخرجين، ورمزًا لهوية تاريخية ضاربة في العمق. واليوم، أصبحت محرّمة على الزوار، مغلقة في وجه السياحة، ومقصاة حتى عن ساكنة الجديدة نفسها.

إغلاق طويل… بلا تفسير

منذ سنوات، أُغلقت المسقاة بدعوى الترميم أو الخطر المحتمل على الزوار. لكن ما رافق هذا الإغلاق هو ما يثير الغضب الحقيقي:
لا لوحة تفسيرية توضح طبيعة الأشغال،
لا أجندة زمنية لإعادة الافتتاح،
لا بلاغات رسمية،
ولا أي تواصل مع الرأي العام المحلي أو المهتمين بالتراث.

صمت كامل، وكأن الأمر يتعلق بمرفق هامشي، لا بمعلمة مصنّفة ضمن التراث العالمي، يُفترض أن تحظى بعناية خاصة ومتابعة دقيقة، وشفافية في التدبير.

مدينة تُدير ظهرها لتاريخها

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف لمدينة ساحلية عريقة، تتوفر على واحدة من أندر المعالم البرتغالية في المنطقة، أن تتركها رهينة الإغلاق والنسيان؟
كيف يمكن الحديث عن تنمية سياحية، وعن جلب الزوار، وعن هوية ثقافية، في وقت تُغلق فيه أهم نقطة جذب تاريخي دون بديل، ودون رؤية، ودون محاسبة؟

ما يحدث للمسقاة ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط تدبيري مأزوم، يتعامل مع التراث بمنطق الإهمال الموسمي، لا باعتباره رافعة اقتصادية وثقافية وسياحية. فبدل تثمين هذا الموروث وإدماجه في دورة الحياة الحضرية، يتم تركه يتآكل خلف الأبواب الموصدة.

ترميم أم تبرير للتجميد؟

الترميم، حين يكون جديًا، يجب أن يكون واضحًا، مؤطرًا، ومصحوبًا بالتواصل. أما حين يتحول إلى ذريعة لإغلاق غير محدد الزمن، فإنه يفقد معناه، ويصبح شكلاً من أشكال التجميد المقنّع. المسقاة اليوم لا تُرمَّم في نظر الساكنة، بل تُطفأ تدريجيًا من الوعي الجماعي.

والأخطر أن هذا الوضع يمرّ دون مساءلة حقيقية:
من المسؤول عن هذا الإغلاق؟
من يملك قرار إعادة الفتح؟
أين دور السلطات المحلية، والجهات الوصية على التراث، والمؤسسات المنتخبة؟
وأين هي مقاربة الحكامة التي يُفترض أن ترافق موقعًا مصنفًا عالميًا؟

تراث عالمي… بتدبير محلي هزيل

تصنيف مازاغان ضمن قائمة التراث العالمي ليس شرفًا رمزيًا فقط، بل التزام دولي بالحفاظ، والصيانة، والتثمين، وضمان الولوج العمومي. وما يقع اليوم للمسقاة البرتغالية يطرح علامات استفهام محرجة حول مدى احترام هذه الالتزامات، وحول صورة المغرب في تدبير مواقعه المصنفة.

الجديدة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى قرار شجاع:
فتح تحقيق في أسباب الإغلاق الطويل،
تحديد مسؤوليات واضحة،
إعلان برنامج زمني شفاف لإعادة التأهيل والفتح،
وإشراك الفاعلين المحليين والمهتمين بالتراث في التتبع.

قبل أن يتحول الصمت إلى جريمة

المسقاة البرتغالية ليست حجرًا صامتًا، بل ذاكرة مدينة، ومرآة تاريخ، وفرصة اقتصادية مهدورة. استمرار إغلاقها بهذا الشكل هو إعدام بطيء لمعلمة عالمية، وجريمة صامتة في حق الجديدة وساكنتها.

فإما أن يُعاد الاعتبار لهذه الجوهرة التاريخية فورًا،
أو أن يُقال للمدينة بوضوح: إن تاريخها لم يعد أولوية.

About The Author