المغرب و«الجرف الأصفر»: الفوسفاط بين الأوراق الاستراتيجية وتحديات الأمن الغذائي العالمي

Capture d’écran 2026-04-08 111700

تشكل موارد الفوسفاط بمنظورها الصناعي والاستراتيجي أحد محددات موقع المملكة المغربية على خريطة الاقتصاد الدولي، إذ يمتلك المغرب واحدة من أهم الاحتياطيات العالمية من خامات الفوسفاط، وتعتبر هذه المادة حجر زاوية في صناعة الأسمدة الزراعية التي لا غنى عنها في منظومة الأمن الغذائي العالمي، بما يضع قطاع الفوسفاط المغربي في صميم العلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.

تُظهر إحصاءات رسمية أن المملكة نجحت خلال سنة 2025 في تسجيل ارتفاعٍ قوي في صادرات الفوسفاط وبدائله، حيث بلغت مبيعات الفوسفاط نحو 87.14 مليار درهم (ما يناهز 9.56 مليار دولار أمريكي) بنهاية شهر نوفمبر من العام ذاته، وهو ارتفاع بنحو 13.8% مقارنة مع السنة السابقة، في مؤشر على دور القطاع في تعزيز حجم الصادرات الوطنية.

وترتكز استراتيجية المغرب على الارتقاء بصناعة الفوسفاط من مجرد تصدير المادة الخام إلى تطوير منظومة صناعية متكاملة تشمل إنتاج الأسمدة المركبة والتقنيات الزراعية المتقدمة، والتي تستجيب لحاجيات أسواق زراعية مختلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا، وهو ما يعكس توجهًا صناعيًا يُواكب الطلب العالمي المتزايد على هذه المادة الحيوية.

في هذا الإطار، يتبوأ الموقع الصناعي المعروف باسم «الجرف الأصفر» مكانة بارزة ضمن الخريطة الصناعية الوطنية، إذ يشكل مركزًا متقدمًا لإنتاج الأسمدة الفوسفاطية والمنتجات المرتبطة بها، فضلاً عن مشاريع مرافقة لتعزيز السلاسل الإنتاجية. ويُعد النشاط الصناعي في الجرف الأصفر جزءًا من خطة أوسع للمغرب لتعزيز قيمة المكونات الأساسية لقطاع الفوسفاط، ورفع الطاقة الإنتاجية على مختلف الأصعدة، بما يخدم متطلبات الأمن الغذائي الدولي.

وتتضمن هذه الخطة توسعات هامة في البنية الإنتاجية، من بينها تطوير خطوط إنتاج الأسمدة الفوسفاطية المركبة التي بلغت طاقتها الإنتاجية أكثر من خمسة ملايين طن سنويًا عبر منصات إنتاجية مرتبطة بالجرف الأصفر، مما يعزز قدرة المملكة على تلبية احتياجات الأسواق الدولية التي تشهد نموًا في الطلب على الأسمدة عالية الجودة.

ولا يقتصر الاهتمام على الإنتاج الزراعي وحده، بل يشمل الأمن المائي أيضاً، حيث تعمل مشاريع مرتبطة بالجرف الأصفر على استغلال موارد غير تقليدية، من بينها محطة تحلية مياه البحر بطاقة تقارب 250 مليون متر مكعب سنويًا، تغذي مناطق واسعة ضمن جهة الدار البيضاء – سطات، وتدعم الأنشطة الصناعية والزراعية على حد سواء عبر شبكة أنابيب تمتد إلى مواقع استراتيجية مثل خريبكة.

وعلى الصعيد الدولي، يؤكد مراقبون أن المغرب بموارده من خامات الفوسفاط يعد لاعبًا أساسياً في معادلة الأمن الغذائي العالمي، حيث يعتمد كثير من البلدان المنتجة للغذاء على الأسمدة الفوسفاطية المستوردة لتعويض نقص المواد المغذية في التربة، بما يجعل ارتباط إنتاج الفوسفاط واستقرار أسعاره مرتبطًا مباشرة بإنتاج الغذاء وزيادة المحاصيل.

ويُنظر إلى الفوسفاط لدى الدول المستوردة كأحد العناصر الحيوية في منظومة الأمن الغذائي، لا سيما مع تزايد الضغوط السكانية ونمو الطلب على الغذاء، ما يجعل الدول المعتمِدة بشكل كبير على الأسمدة في سباق متواصل لضمان توفرها بأسعار مناسبة وتحقيق استقرار الإنتاج الزراعي.

لكن هذه الأهمية الاستراتيجية لا تخلو من تحديات، فالسوق العالمي للفوسفاط والأسمدة يتأثر بعوامل متعددة تشمل التغيرات في السياسات التجارية، رسوم التصدير والاستيراد، وحركة الأسواق الدولية. وفي هذا السياق تترقب صادرات الفوسفاط المغربية تعديلًا محتملاً للرسوم الجمركية الأميركية المفروضة منذ سنة 2021، وهو ما قد يعيد رسم ديناميات الصادرات نحو سوق يعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.

وبينما يعزز المغرب من قدراته الإنتاجية وصادراته، يبقى التحدي في كيفية الحفاظ على تنافسية هذا المورد الحيوي في مواجهة التغيرات العالمية في العرض والطلب، ومعالجة متطلبات الاندماج في سلاسل القيمة المضافة بدلاً من الاقتصار على المخرجات الأساسية.

وترتبط هذه المعادلة بتطلعات المغرب لتبوء موقع متقدم في صناعة الأسمدة العالمية، من خلال استراتيجيات صناعية تلبي تطلعات الأسواق وتستجيب للحاجيات البيئية والتنموية المستدامة، في سياق تجسيد الالتزامات المتعددة المتصلة بالأمن الغذائي وتعزيز دور الموارد الطبيعية في التنمية الاقتصادية، وهو ما يجعل من «الجرف الأصفر» وأمثاله محاور استراتيجية في الرؤية الاقتصادية الوطنية متصلة بالمتغيرات الدولية لقطاع الغذاء والزراعة.

About The Author