بين الزيارات الميدانية وصخب الواجهات… حين يصبح العمل الجاد هو الرهان الحقيقي بإقليم الجديدة

600173535_1304813584996906_4239252487087713671_n

مع تعيين أي عامل جديد على رأس إقليم، تُستعاد تقاليد إدارية راسخة تقوم على الانفتاح الميداني والاقتراب من واقع الجماعات الحضرية والقروية، ليس فقط للاطلاع على أوضاعها، بل للإنصات المباشر لانتظارات الساكنة عبر ممثليها المنتخبين ومسؤوليها المحليين. هذا المسار، الذي يشكل جوهر الحكامة الترابية، انطلق به عامل إقليم الجديدة، السيد صالح داحا، منذ الأيام الأولى لتحمله المسؤولية.

فبعد سلسلة لقاءات مؤسساتية احتضنتها عمالة الإقليم، جمعت العامل بممثلي المصالح الخارجية، من أمن ونيابة عامة ودرك ملكي ورؤساء مصالح مختلفة، انتقل المسؤول الترابي إلى الميدان، واضعًا نصب عينيه مقاربة قوامها المعاينة المباشرة بدل الاكتفاء بتقارير مكتبية غالبًا ما تفتقر إلى العمق والدقة.

غير أن ما يرافق هذه الزيارات من صور وانطباعات متداولة في الفضاء العام، لا يعكس دائمًا الرهانات الحقيقية المنتظرة من مثل هذه المحطات. فبدل تقديم ملفات موضوعية تعكس الإكراهات الفعلية والحاجيات المستعجلة للجماعات، ينزلق بعض المسؤولين المحليين، عن قصد أو بدونه، إلى منطق الاستعراض الشكلي، حيث تُقدَّم الزيارات الرسمية كفرص للبروتوكول والصور التذكارية أكثر منها لحظة للمساءلة وتقديم الحلول.

في هذا السياق، يبدو جليًا أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تزيين الواجهات أو صياغة عروض إنشائية تُغرق في العموميات، بل في إعداد ملفات متكاملة، مدعمة بالمعطيات والبرامج القابلة للتنفيذ، حتى يتمكن ممثل السلطة المركزية من الترافع عنها والدفاع عن مصالح الساكنة بفعالية ومسؤولية.

ومن غير المنطقي، في زمن تتوفر فيه الإدارة الترابية على أقسام تقنية متخصصة ومعطيات دقيقة حول أوضاع الجماعات، أن يُفترض غياب الإحاطة المسبقة بواقع الإقليم أو التقليل من قدرة العامل على التمييز بين ما هو شكلي وما هو جوهري. فنجاح أي مسؤول ترابي اليوم لم يعد يقاس بكثافة الاستقبالات ولا ببذخ المظاهر، بل بقدرته على تحويل الزيارات إلى منطلق لإصلاحات ملموسة ومشاريع ذات أثر مباشر.

إن المرحلة تقتضي من رؤساء الجماعات ومنتخبيها تجاوز منطق التلميع الظرفي، والانتقال إلى منطق التدبير المسؤول، عبر إشراك جميع الأصوات، أغلبية كانت أو معارضة، والاستماع الجدي لمطالب المواطنين، بعيدًا عن العمل في الظل أو الاكتفاء بالدائرة الضيقة للمستفيدين.

كما أن الأولوية يجب أن تُمنح لبرمجة مشاريع تنموية قوية ومستدامة، بدل استنزاف الموارد في مصاريف الاستقبال والتنقلات التي لا تضيف قيمة حقيقية لمسار التنمية المحلية. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا ينتظر صورًا ولا خطابات منمقة، بل ينتظر حلولًا لمشاكله اليومية.

بين صخب الواجهات وهدوء العمل الميداني، يبقى الرهان اليوم هو إتاحة المجال للعمل الجاد، وترك المؤسسات تقوم بأدوارها في إطار من الصراحة والمسؤولية، لأن التنمية لا تُصنع بالضوضاء، بل بالفعل الهادئ والمتقن الذي يقوده العامل داحا و هو يضع من بين إهتماماته إعادة الروح لجوهرة الأطلسي و لعاصمة دكالة التاريخية.

About The Author