حافلات بلا طرق بجهة الدارالبيضاء؟ نقل مدرسي مهدد بالتعثر ما لم تُواكَب المبادرة بتأهيل البنيات التحتية القروية
جديدتي 17 يناير 2026
تم، امس الجمعة بمدينة الدار البيضاء، تسليم 125 حافلة للنقل المدرسي لفائدة الجماعات القروية التابعة للنفوذ الترابي لجهة الدار البيضاء–سطات، في خطوة اجتماعية تروم دعم تمدرس الأطفال بالعالم القروي والحد من الهدر المدرسي، بحضور والي الجهة محمد امهيدية، ورئيس مجلس الجهة عبد اللطيف معزوز، إلى جانب عدد من المسؤولين والمنتخبين.
العملية، التي تندرج ضمن برنامج التنمية الجهوية 2022–2027، تستهدف تخفيف معاناة التلاميذ المرتبطة بالتنقل اليومي، وتقريب المدرسة من الطفل القروي، باعتبار التعليم رافعة أساسية للتنمية المستدامة، كما أكد ذلك رئيس الجهة، الذي شدد على أن جميع الجماعات القروية استفادت من هذه المبادرة وفق مقاربة شمولية وتشاركية.
غير أن هذا الإنجاز، على أهميته الاجتماعية والتربوية، يطرح في العمق سؤال النجاعة والاستدامة، ويعيد إلى الواجهة إشكالية طالما أرّقت النقل المدرسي بالعالم القروي:
هل يكفي تسليم الحافلات دون التفكير في الطرق والبنيات التحتية؟
معضلة تتكرر مع أولى التساقطات
تجارب سابقة في عدد من الأقاليم كشفت أن النقل المدرسي القروي يصطدم، مع أولى التساقطات المطرية، بواقع قاسٍ: مسالك غير معبدة، طرق طينية، وانعدام الصيانة، ما يجعل الحافلات عاجزة عن الحركة، وتتحول معها المبادرات الاجتماعية إلى هياكل متوقفة عن الخدمة.
في العديد من الدواوير، لا تستطيع عجلات هذه الحافلات الدوران وسط الأوحال، فيُحرم التلاميذ من حقهم في التنقل، وتعود مظاهر الغياب والانقطاع عن الدراسة، وكأن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الحافلة فقط، بل في غياب رؤية مندمجة تراعي خصوصية المجال القروي.
التعليم لا يُنقل بالحافلة وحدها
صحيح أن النقل المدرسي يُعد آلية محورية ضمن سياسات الدعم الاجتماعي ومحاربة الهدر المدرسي، خاصة في الأوساط الهشة، غير أن فعاليته تبقى رهينة بتوفر شبكة طرق قروية صالحة للاستعمال طوال السنة، وليس فقط في الفترات الجافة.
فالحديث عن تشجيع التمدرس وتحسين جودة الحياة المدرسية لا يكتمل دون:
-
تعبيد المسالك القروية المؤدية إلى المدارس؛
-
صيانة الطرق بشكل دوري؛
-
ربط النقل المدرسي ببرامج فك العزلة؛
-
ضمان استمرارية الخدمة في فصل الشتاء.
مقاربة منقوصة أم فرصة للمراجعة؟
رئيس الجهة عبد اللطيف معزوز أكد أن هذه المبادرة تمت في إطار شراكة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وتهدف إلى تعزيز أسطول النقل المدرسي والداخليات تدريجياً. غير أن المتتبعين يرون أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد في عدد الحافلات، بل في البيئة التي ستشتغل فيها.
فالتلميذ القروي لا يحتاج فقط إلى مقعد في حافلة، بل إلى طريق آمنة توصله إلى المدرسة في جميع الظروف المناخية، وإلى رؤية تنموية تعتبر النقل المدرسي حلقة ضمن سلسلة متكاملة، تبدأ بفك العزلة ولا تنتهي عند باب المؤسسة التعليمية.
تسليم 125 حافلة خطوة إيجابية ومحمودة، لكنها غير كافية وحدها. فبدون تعبيد الطرق وتأهيل البنيات التحتية القروية، ستظل هذه الحافلات مهددة بالتوقف مع كل موسم أمطار، وسيتحول الاستثمار العمومي إلى حل جزئي لا يعالج جوهر الإشكال.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق تسليم الوسائل إلى منطق بناء المنظومة، حيث يصبح النقل المدرسي جزءاً من سياسة قروية شاملة، تضمن حق الطفل في التعليم، ليس فقط على الورق، بل على أرضٍ صالحة للسير، في كل الفصول.
