سيدي بنور تحت مجهر التفتيش: اختلالات التعمير وحفر الآبار العشوائي تفتح ملفات ثقيلة بعمالة الإقليم

598833131_1351272533463431_8149487133419231591_n

لم تعد فوضى البناء وحفر الآبار العشوائي بإقليم سيدي بنور مجرد تجاوزات معزولة، بل تحولت إلى معطى مقلق استدعى تدخلاً مركزياً مباشراً من وزارة الداخلية، بعد تراكم مؤشرات على اختلالات بنيوية في تدبير قطاع التعمير واستنزاف الفرشة المائية، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول أدوار المراقبة والمسؤولية.

ففي مطلع الأسبوع الجاري، حلت لجنة مركزية رفيعة المستوى تابعة لوزارة الداخلية بمدينة سيدي بنور، في مهمة تفتيش دقيقة شملت عدداً من المصالح الحساسة، على رأسها عمالة الإقليم، وذلك على خلفية تقارير وشكايات توصلت بها المصالح المركزية، تتحدث عن توسع غير مسبوق للبناء غير المرخص، وانتشار مقلق لحفر الآبار خارج الضوابط القانونية.

وبحسب معطيات حصلت عليها الجريدة، فإن مهمة اللجنة لم تكن شكلية، بل انطلقت من فتح ملفات ثقيلة تتعلق بتراخيص مشكوك في قانونيتها، وتغاضٍ محتمل عن خروقات واضحة، إضافة إلى رصد حالات حفر آبار دون احترام المساطر المعمول بها، وفي غياب أي دراسات تقنية أو تراخيص من الجهات المختصة.

وشملت جلسات الاستماع عدداً من المسؤولين، من بينهم أطر بقسم التعمير، وقياد وباشوات بعدد من المقاطعات والقيادات، بحضور مسؤولين عن الشؤون الداخلية، حيث جرى التدقيق في كيفية معالجة محاضر المخالفات، ومآل الشكايات المقدمة من المواطنين، وأسباب التأخر أو التراخي في تفعيل مساطر الزجر في حق المخالفين.

وتشير مصادر متطابقة إلى أن اللجنة وقفت على تناقضات واضحة بين التقارير المرفوعة من المستوى المحلي، والواقع الميداني، خاصة في ما يتعلق بمناطق شهدت توسعاً عمرانياً سريعاً دون تصاميم تهيئة محينة، ما فتح الباب أمام البناء العشوائي واستغلال الفراغ الرقابي لتحقيق منافع خاصة.

أما ملف الآبار، فقد حظي باهتمام خاص، في ظل ما وصفه متتبعون بـ“النزيف الصامت” للفرشة المائية بالإقليم، حيث تم تسجيل حفر آبار بعمق كبير دون تراخيص قانونية، وفي بعض الحالات بالقرب من تجمعات سكنية أو أراضٍ فلاحية، ما يشكل خطراً بيئياً ومائياً حقيقياً، ويتعارض مع التوجهات الوطنية الرامية إلى ترشيد الموارد المائية.

وتعززت هذه المعطيات بتنامي شكاوى الساكنة، التي عبّرت مراراً عن استيائها من ازدواجية التعامل مع المخالفات، حيث يتم التغاضي عن خروقات واضحة، مقابل التشدد مع حالات أخرى، ما غذّى الإحساس بغياب العدالة المجالية، وضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبحسب نفس المصادر، تستعد اللجنة المركزية لإعداد تقرير مفصل وشامل، سيُرفع إلى المصالح المركزية لوزارة الداخلية، متضمناً خلاصات دقيقة وتوصيات واضحة، قد تفضي إلى اتخاذ قرارات إدارية وتأديبية في حال ثبوت مسؤوليات مباشرة أو غير مباشرة في ما جرى.

ويأتي هذا التحرك في سياق وطني يتسم بتشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتعمير وحماية الموارد الطبيعية، باعتبارها مجالات حيوية تمس الأمن المجالي والاستقرار الاجتماعي، ولا تحتمل منطق التساهل أو غض الطرف.

ويبقى الرهان، وفق فاعلين محليين، على أن لا تنتهي هذه الزيارة إلى مجرد تقرير يُركن في الرفوف، بل أن تشكل منطلقاً فعلياً لتصحيح الاختلالات، وإعادة الاعتبار لسلطة القانون، وضمان أن تكون التنمية بإقليم سيدي بنور مؤطرة بالتخطيط السليم، لا بمنطق الأمر الواقع.

About The Author