شارع بـ140 مليار سنتيم يتحول إلى لغز عمراني… كيف فجّر العامل سيدي صالح داحا ملف تعثر جبران خليل جبران بالجديدة؟

images

تشهد مدينة الجديدة واحدة من أكثر ملفات التهيئة الحضرية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، بعد أن تفجّر ملف تعثر مشروع تأهيل وتوسعة شارع جبران خليل جبران، المشروع الذي رُصدت له ميزانية ضخمة تناهز 140 مليون درهم، وكان يُفترض أن يشكّل رئة عمرانية ومحورًا طرقيا استراتيجيًا يخفف الضغط عن المدينة ويعكس صورة جديدة للجديدة كحاضرة منفتحة ومهيكلة.

غير أن الواقع جاء مغايرًا للتصريحات والوعود، إذ تحوّل المشروع من ورش منتظر إلى عنوان بارز للاختلال، ما دفع مصالح وزارة الداخلية إلى فتح تحقيق معمق بعد دخول عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا على الخط، واضعًا يده على واحدة من أعقد بؤر التعثر التي فجّرت غضب الساكنة وقلق الفاعلين.

مشروع استراتيجي… ونتائج مخيبة

وفق معطيات متطابقة، فإن مشروع تأهيل شارع جبران خليل جبران كان مبرمجًا للانتهاء خلال صيف السنة الماضية، غير أن الأشغال ما تزال متعثرة إلى حدود اليوم، في مشهد أثار استياءً واسعًا وسط المواطنين، خاصة وأن الشارع يمتد على طول يقارب 7,8 كيلومترات ويُعد من المحاور الحيوية بالمدينة.

المشروع، الذي صودق عليه في إطار اتفاقيتين سنة 2023، جرى تنزيله بشراكة بين مجلس جهة الدار البيضاء–سطات، ومجلس جماعة الجديدة، والمكتب الشريف للفوسفاط الذي ساهم بما يقارب 60 مليون درهم، وكان من المفترض أن يشمل التهيئة الشاملة، التوسعة، وتأهيل الإنارة العمومية، بما ينسجم مع معايير التهيئة الحضرية الحديثة.

زيارة العامل… نقطة التحول

مصادر مطلعة أكدت أن زيارة ميدانية قام بها عامل الإقليم إلى موقع المشروع شكّلت نقطة التحول الحاسمة في هذا الملف. فقد وقفت المصالح العاملية، خلال هذه الزيارة، على سلسلة من الاختلالات التقنية والتدبيرية، وغياب مبررات مقنعة لتوقف الأشغال أو بطئها غير المبرر، ما عجّل برفع تقرير وُصف بـ«الأسود» إلى المصالح المركزية.

هذا التقرير، وفق المصادر نفسها، كان كافيًا لدفع وزارة الداخلية إلى تفعيل آلية المراقبة وفتح تحقيق موسع، شمل الاستماع إلى الشركة المكلفة بإنجاز المشروع، من أجل الوقوف على أسباب عدم احترام الآجال التعاقدية، وتحديد المسؤوليات المحتملة، سواء على مستوى التنفيذ أو التتبع أو الحكامة.

غضب جهوي ومدني

التحقيق لم يأتِ من فراغ. فمصادر الجريدة أكدت وجود حالة استياء كبيرة لدى سلطات الإقليم، وكذا على مستوى رئاسة جهة الدار البيضاء–سطات، في شخص عبد اللطيف معزوز، بسبب الانعكاسات السلبية لهذا التعثر، سواء على صورة الجهة أو على ثقة المواطنين في المشاريع الكبرى.

في المقابل، دخلت الفعاليات المدنية والحقوقية على الخط، حيث جرى توجيه شكايات رسمية إلى عمالة الجديدة، تطالب بفتح تحقيق لا يقتصر فقط على شارع جبران خليل جبران، بل يمتد إلى مشاريع أخرى تعرف المصير نفسه: ميزانيات ضخمة، آجال معلنة، وواقع ميداني لا يعكس لا الأرقام ولا الوعود.

ما وراء التعثر؟

تعثر مشروع بهذا الحجم وبهذه الكلفة يطرح أسئلة محرجة حول:

  • نجاعة آليات التتبع والمراقبة؛

  • مدى احترام دفاتر التحملات؛

  • مسؤولية المتدخلين في التأخير؛

  • وحدود المحاسبة في مشاريع التمويل المشترك.

كما يعيد إلى الواجهة إشكالية الفرق بين الإعلان عن المشاريع وتنزيلها الفعلي، خاصة في المدن المتوسطة التي غالبًا ما تُقدَّم كنماذج تنموية، لكنها تصطدم على الأرض باختلالات تدبيرية تعرقل هذا الطموح.

رسالة صارمة من الداخلية

ما يميز هذا الملف هو أن التدخل هذه المرة جاء من أعلى، وبمبادرة واضحة من عامل الإقليم، في انسجام مع التوجه الجديد لوزارة الداخلية القائم على الصرامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع تعثر المشاريع المهيكلة.

التحقيق الجاري اليوم لا يُقرأ فقط كإجراء إداري، بل كرسالة سياسية وتنموية مفادها أن زمن التغاضي عن التأخير غير المبرر قد ولّى، وأن المشاريع العمومية لم تعد مجالًا للهروب إلى الأمام أو تمييع المسؤوليات.

شارع جبران خليل جبران لم يعد مجرد طريق قيد التهيئة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لحكامة المشاريع العمومية بالجديدة. فإما أن ينتهي التحقيق إلى ترتيب الجزاءات وإعادة الأمور إلى نصابها، أو أن يتحول الملف إلى رقم جديد في لائحة المشاريع المتعثرة.

لكن المؤكد أن ما بعد تدخل العامل سيدي صالح داحا لن يكون كما قبله، وأن الرسالة وصلت: المال العام خط أحمر، وتأهيل المدن لا يُدار بالوعود، بل بالإنجاز والمحاسبة.

About The Author