“صفقة القرن” تتشعب: الفرقة الوطنية تداهم، والدة المشتبه به في الواجهة… وتحقيقات قد تطيح بأسماء ثقيلة
دخل ملف ما بات يُعرف إعلامياً بـ**“صفقة القرن” بسيدي بنور** مرحلة دقيقة وحاسمة، بعد أن انتقلت التحقيقات من دائرة المشتبه فيهم المباشرين إلى محيطهم العائلي والمهني، في مؤشر واضح على أن القضية لم تعد محصورة في أفعال فردية، بل في شبكة معقدة من التواطؤ واستغلال النفوذ.
ففي تطور لافت، داهمت عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية منزل والدة المشتبه فيه الرئيسي، الموظفة السابقة بالمحافظة العقارية، في إطار تعميق البحث حول شبهة تورطها في تسهيل عمليات استيلاء غير مشروع على عقارات، عبر استخراج أصول ملكية دون علم أو إذن أصحابها الشرعيين، وتسليمها، عبر وسطاء، لموثقين من أجل تحرير عقود وُصفت بالمزورة.
من النصب الفردي إلى شبهة الشبكة المنظمة
المعطيات التي تفجرت مع هذا التطور تؤشر على تحول نوعي في مسار التحقيق. فالقضية، التي بدأت كملف نصب عقاري ضخم، سرعان ما تكشّف أنها عملية ممنهجة استندت إلى اختراق مؤسساتي دقيق، استُغلت فيه مواقع وظيفية حساسة داخل منظومة التحفيظ العقاري والتوثيق.
وتفيد مصادر مطلعة أن الموظفة المعنية كانت، خلال فترة عملها، تستخرج نسخاً من أصول الملك العقاري خارج المساطر القانونية المعمول بها، ليتم تمريرها عبر وسيط عقاري إلى موثق، ما مكن من تحرير عقود بيع وتحفيظ دون علم المالكين الأصليين، وهو ما يشكل خرقاً خطيراً لمبادئ الأمن العقاري، ويطرح أسئلة ثقيلة حول آليات المراقبة الداخلية.
المشتبه فيه الرئيسي رهن الاعتقال… وجلسة استماع مرتقبة
المشتبه فيه الرئيسي في الملف، الذي يوصف بكونه العقل المدبر للعملية، لا يزال رهن الاعتقال الاحتياطي، في انتظار جلسة استماع جديدة منتصف الشهر الجاري، يُرتقب أن تكون مفصلية في مسار القضية.
وحسب مصادر موثوقة، فإن هذه الجلسة قد تشكل نقطة تحول، بالنظر إلى حجم المعطيات التي راكمتها الفرقة الوطنية، خاصة بعد حجز وثائق، ومعطيات رقمية، وسجلات يُعتقد أنها تكشف خيوطاً إضافية للشبكة، وأسماء جديدة يُشتبه في ضلوعها المباشر أو غير المباشر.
تحقيقات تتسع… وأسماء وازنة تحت المجهر
أخطر ما في هذا الملف، وفق نفس المصادر، هو أن التحقيقات لم تعد تقتصر على منفذين صغار، بل امتدت لتشمل شخصيات وُصفت بـ“الوازنة”، يشتبه في أنها وفرت الغطاء، أو سهلت المساطر، أو غضّت الطرف عن خروقات جسيمة مقابل مصالح متبادلة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن شبكة العلاقات التي بُنيت حول هذه “الصفقة” استغلت:
-
الثغرات الإدارية
-
ضعف المراقبة البعدية
-
الثقة المفترضة في الوثائق الرسمية
-
وتشابك المصالح بين وسطاء وموظفين ومهنيين
وهو ما جعل عملية النصب تمرّ بسلاسة لسنوات، قبل أن تنفجر على وقع شكايات متضررين، وتدخل على خطها السلطات القضائية المختصة.
سيدي بنور تحت الصدمة… وأسئلة الثقة تعود بقوة
على المستوى المحلي، تعيش مدينة سيدي بنور على وقع ترقب وقلق متزايدين، في ظل تسريبات متواترة عن احتمال سقوط أسماء معروفة في قادم الأيام. فالقضية، بحجمها المالي وتعقيدها القانوني، أعادت إلى الواجهة سؤال الثقة في منظومة التوثيق والتحفيظ، ومدى قدرة الدولة على حماية الملكية العقارية للمواطنين.
كما أعادت النقاش حول مسؤولية:
-
المحافظات العقارية
-
مكاتب التوثيق
-
وسلاسل المراقبة الإدارية
في منع مثل هذه الجرائم، لا فقط بعد وقوعها، بل قبل أن تتحول إلى قنابل اجتماعية وقانونية.
الفرقة الوطنية… رسالة حزم بلا استثناءات
دخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بثقلها في هذا الملف لم يكن تفصيلاً عابراً، بل رسالة واضحة مفادها أن الخطوط الحمراء سقطت، وأن لا أحد فوق المساءلة، مهما كان موقعه السابق أو شبكة علاقاته.
وتؤكد المصادر ذاتها أن التحقيق يُدار بمنهجية دقيقة، تعتمد على تتبع المسار الكامل للوثيقة العقارية: من مصدرها الإداري، إلى الوسيط، إلى الموثق، وصولاً إلى المستفيد النهائي، في محاولة لرسم الخريطة الكاملة للشبكة، دون استعجال، ولكن أيضاً دون تساهل.
قضية رأي عام بامتياز
ما يميز “صفقة القرن” ليس فقط حجم الأموال أو عدد العقارات، بل كونها تمس أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي: الملكية. لذلك، تحولت من ملف قضائي إلى قضية رأي عام، يتابعها المواطنون بترقب، في انتظار أن تقول العدالة كلمتها، كاملة وغير منقوصة.
فإما أن يشكل هذا الملف نموذجاً لمحاسبة حقيقية تطال الجميع، أو يتحول إلى جرح جديد في جسد الثقة العامة، وهو ما تدركه جيداً الجهات المشرفة على التحقيق.
المؤكد إلى حدود الساعة أن ملف “صفقة القرن” لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فكل تطور جديد يؤكد أن ما خفي أعظم، وأن الأيام المقبلة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، وربما أسماء لم تكن في حسبان أحد.
وبين صمت المتورطين، وترقب الشارع، وحزم الأجهزة القضائية، تبقى الحقيقة الكاملة مسألة وقت فقط… لكن ثمنها سيكون ثقيلاً على كل من اعتقد أن المنصب، أو الصفة، أو العلاقات، يمكن أن تحميه من المساءلة.
