فضيحة “حوت الكوانو” بالجديدة… فساد السمك والتهديد بصحة المواطن
تتواصل في مدينة الجديدة ظاهرة تداول ما يُعرف شعبياً بـ “حوت الكوانو” في الأسواق والأحياء الشعبية، وهو منتوج بحري غالباً ما يكون عبارة عن بقايا أسماك السردين أو خليط غير منتظم من أصناف صغيرة تُعرض بصورة غير صحية وغير مراقبة، قبل أن تصل إلى موائد المواطنين في ظروف تثير القلق والخوف من احتمالية تعرض الصحة العامة للخطر.
ويُظهر ما تُنشره صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع تُبيّن بيع هذه المنتوجات في أماكن غير مأمونة، ومن دون مراقبة للحرارة أو النظافة أو الشهادات الصحية، ما يفتح باب الشك حول صلاحية هذه الأسماك للاستهلاك الآدمي وقدرتها على التسبب في تسمم أو أمراض غذائية إذا كانت فاسدة أو ملوثة.
هذا الوضع يطرح أسئلة قوية حول فعالية الرقابة الصحية في الأسواق خصوصًا أثناء شهور المواسم مثل شهر رمضان التي يرتفع فيها الطلب على الأسماك كأحد مصادر التغذية الأساسية، كما يجعل المواطنين يتساءلون: إلى متى سيستمر هذا العبث بصحة السكان؟
“حوت الكوانو”… ما هي المشكلة؟
ما يُسمّى محليًا “حوت الكوانو” ليس اسمًا لسمكة معينة، بل يُعطى في بعض الأسواق للجمع بين أجزاء متبقية من الأسماك الصغيرة أو المنتجات البحرية التي قد تكون انتهت صلاحيتها أو لم تُخزّن بالشكل الصحيح، ثم تُعرض للبيع بسعر بخس. المشكلة الأساسية ليست أنه يُباع سعر منخفض فقط، بل أن هذه الأسماك غير مراقبة من الناحية الصحية، ولم تُعرض على فحص من طبيب بيطري أو جهة رقابية معتمدة، ما يجعلها خطرة على صحة المستهلك في حال استُهلكت وهي فاسدة.
في الوقت نفسه، أظهر تجار أسماك في المدينة عبر تسجيلات مصوّرة أن غلاء أسعار الأسماك الطازجة في الأسواق دفع بعض المواطنين إلى الاتجاه لهذه المنتوجات الرخيصة، رغم الشكوك في جودتها.
مسؤولية السلطات الصحية… أين الرقابة؟
يعد تداول الأسماك المجهولة المصدر أو غير المصحوبة بالشهادات الصحية خرقًا واضحًا لأنظمة السلامة الغذائية التي من المفروض أن تُطبق في الأسواق لضمان حماية المستهلك. وتُعد الجهات المحلية (البلدية، قطاع الصيد البحري، مندوبية الصحة) مسؤولة عن مراقبة جودة الأسماك المعروضة في الأسواق، لا سيما في مدينة ساحلية مثل الجديدة ذات ميناء وخبرة تقليدية في صيد الأسماك.
ومع انتشار تلك الظاهرة في بعض الأزقة والأسواق الشعبية، يرى مواطنون أن الصمت أو البطء في التحرك من طرف المصالح المعنية فقط يُعطي فرصة للمتلاعبين بتسويق سمك غير صالح أو فاسد، ويُهدر حق المستهلك في الغذاء الصحي.
دور الوكالة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية
الحاجة اليوم أصبحت ملحة لتفعيل دور الوكالة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ANSSA) في مراقبة المنتجات البحرية بشكل أوسع، وليس فقط المنتجات المصنعة، بل أيضًا المنتجات الطازجة والمخفّضة الثمن، وذلك من خلال:
-
اختبارات دورية لمعالجة السمك في نقاط البيع للتأكد من سلامته.
-
إجراءات سحب عينات وفحصها مخبريًا للتأكد من عدم احتوائها على بكتيريا أو مواد سامة.
-
تنظيم حملات توعية للمستهلكين والتجار حول المعايير الصحية المطلوبة.
-
فرض عقوبات صارمة على من يثبت بيعهم لمنتجات فاسدة أو غير صالحة.
مثل هذه التدخلات لا تعني فقط الحفاظ على صحة المستهلك، بل أيضًا حماية السوق التجاري السمكي الشريف ومنع المتلاعبين من الإضرار بالقطاع والاقتصاد المحلي.
مطالب السكان… ضبط الفوضى وحماية الصحة العامة
يشدد المواطنون في الجديدة على أن تكرار تداول منتوجات غير مراقبة مثل “حوت الكوانو” يُمثل خطرًا صحيًا واقتصاديًا، ومن بين المطالب التي يرفعونها الآن:
-
تكثيف الرقابة الصحية في الأسواق وفي نقاط بيع الأسماك.
-
إشراك الوكالة الوطنية للسلامة الصحية والجهات المختصة بقطاع الصيد البحري في المراقبة اليومية.
-
فرض شهادات صحية وإثبات مصدر السمك قبل عرضه للبيع.
-
حملات تحسيس للمستهلك حول مخاطر السمك الفاسد أو المجهول المصدر.
-
عقوبات واضحة وفعّالة ضد المخالفين، بدل الاكتفاء بضبط كميات صغيرة ثم إعادة الأمر إلى السوق مرة أخرى.
المواطنون يكررون تحذيرهم خصوصًا مع طبيعة رمضان والعشر الأواخر التي تشهد ارتفاع الطلب على الأسماك، مؤكدين أن الصحة العامة يجب أن تكون أعلى من أي ربح تجاري أو تقليد عرضه غير آمِن للزبناء.
فضيحة ما يُعرف بـ “حوت الكوانو” في مدينة الجديدة ليست مجرد قضية محلية عابرة، بل مؤشر خطير على قصور في آليات المراقبة الصحية للأسماك في الأسواق الشعبية، وضرورة تدخل الجهات الأمنية والصحية بشكل فعّال لحماية صحة المواطنين، لا سيما في مواسم يرتفع فيها الطلب على الأسماك.
الرقابة الصحية ليست رفاهية؛ إنها ضرورة لحياة المواطنين، وبدون إجراءات حقيقية من السلطات المحلية ومصالح الصيد البحري ووكالة السلامة الصحية ستستمر هذه الممارسات في تهديد الصحة العامة وتداهم المائدة المغربية، خصوصًا عندما تتحول الحاجة إلى الغذاء الآمن إلى أولوية يومية للمواطن.
