قطارات دكالة بين الأعطال والاكتظاظ… إلى متى يستمر صمت إدارة السكك الحديدية؟
لم يعد التنقل عبر القطار بين الجديدة والدار البيضاء مجرد رحلة يومية عادية، بل تحول بالنسبة لآلاف الطلبة والموظفين والعمال إلى معاناة متكررة تكشف حجم الاختلالات التي يعرفها هذا الخط الحيوي. فالمشهد داخل القطارات أو بمحطات الركاب أصبح مألوفاً: اكتظاظ شديد، تأخرات متكررة، وأعطال تقنية تعيد طرح سؤال قديم حول واقع البنية التحتية السككية في هذا المحور الذي يعد شرياناً اقتصادياً واجتماعياً مهماً بالجهة.
هذه الوضعية وضعت إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية تحت مجهر الانتقادات، خصوصاً مع توالي شكايات المرتفقين الذين يعتبرون أن الخط الرابط بين الجديدة والدار البيضاء ظل لسنوات طويلة خارج دائرة التحديث الحقيقي. وفي قلب هذه الانتقادات يبرز اسم المدير العام للمكتب محمد ربيع لخليع، الذي يحمّله عدد من المتتبعين مسؤولية استمرار وضعية قطارات متهالكة لا تستجيب لمتطلبات التنقل اليومي لساكنة دكالة.
اكتظاظ يومي… وقطارات خارج الزمن
القطارات التي تؤمن هذا الخط، وفق شهادات العديد من المسافرين، تعود في أغلبها إلى سنوات طويلة ولم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الركاب الذين يعتمدون عليها يومياً. فالطلبة المتوجهون إلى الجامعات، والموظفون الذين يعملون في العاصمة الاقتصادية، يجدون أنفسهم كل صباح أمام عربات مكتظة بشكل خانق، حيث يصبح العثور على مقعد أمراً شبه مستحيل.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الاكتظاظ، بل تمتد إلى الأعطال التقنية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر الرحلات أو توقف القطارات بشكل مفاجئ، وهو ما يخلق حالة من التوتر والغضب بين الركاب الذين يضطرون إلى التأخر عن أعمالهم أو دراستهم.
هذه الصورة اليومية، التي تتكرر منذ سنوات، تعكس بوضوح أن الخط السككي الرابط بين الجديدة والدار البيضاء لم يستفد بعد من برامج التحديث التي عرفتها بعض المحاور الأخرى داخل المغرب.
دكالة خارج خريطة الاستثمار السككي
يشعر كثير من أبناء دكالة أن منطقتهم تعيش نوعاً من التهميش فيما يتعلق بالاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للسكك الحديدية. ففي الوقت الذي شهدت فيه مدن أخرى مشاريع كبرى لتحديث القطارات والمحطات، بقي هذا المحور الحيوي يعتمد على تجهيزات قديمة لم تعد تواكب تطور حركة النقل.
ويرى متتبعون أن هذا الوضع يعكس خللاً في العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات، حيث يتم التركيز على بعض الخطوط الكبرى بينما تبقى محاور أخرى، رغم أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، تعاني من نقص واضح في التأهيل.
فالخط الرابط بين الجديدة والدار البيضاء لا يخدم فقط حركة تنقل يومية، بل يشكل أيضاً محوراً مهماً يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في تنشيط الاقتصاد الجهوي إذا تم تطويره بالشكل المطلوب.
الحاجة إلى قطارات جديدة وبنية حديثة
المطلب الأساسي الذي يرفعه المرتفقون اليوم يتمثل في ضرورة تجديد أسطول القطارات المخصصة لهذا الخط، وتعويض العربات القديمة بقطارات حديثة قادرة على استيعاب العدد الكبير من الركاب وتوفير شروط الراحة والسلامة.
كما يطالب عدد من الفاعلين المحليين بتسريع وتيرة تحديث البنية التحتية السككية، لأن استمرار الاعتماد على تجهيزات قديمة يجعل أي إصلاحات ظرفية غير كافية لمعالجة أصل المشكلة.
فالمواطن الذي يدفع ثمن تذكرة القطار لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يريد فقط وسيلة نقل محترمة تحافظ على وقته وكرامته.
محطة قطار جديدة… ضرورة تنموية
من بين المشاريع التي يطالب بها عدد من المتتبعين أيضاً، إنشاء محطة قطار جديدة بمدينة الجديدة بمواصفات حديثة تليق بالمدينة وساكنتها، خاصة وأن الجديدة أصبحت وجهة سياحية مهمة تستقطب آلاف الزوار سنوياً.
فالمحطة الحالية، رغم دورها الحيوي، لم تعد تستجيب لحجم الحركة المتزايدة للمسافرين، سواء من حيث البنية التحتية أو الخدمات المقدمة للركاب.
إن إنشاء محطة حديثة بمواصفات عصرية لن يكون مجرد مشروع عمراني، بل خطوة استراتيجية لتعزيز جاذبية المدينة وتحسين تجربة التنقل بالنسبة للسياح والمواطنين على حد سواء.
محور سككي يمكن أن يحرك اقتصاد الجهة
الاهتمام الحقيقي بهذا المحور السككي قد يحوله إلى رافعة اقتصادية حقيقية لجهة الدارالبيضاء سطات، خصوصاً إذا تم تطوير الخدمات وربطها بمشاريع تنموية أخرى.
فالنقل السككي يعد من أهم عناصر الجذب الاقتصادي، لأنه يسهل حركة العمالة والاستثمارات والسياحة. وعندما تكون القطارات سريعة ومنتظمة ومريحة، فإنها تساهم بشكل مباشر في تنشيط الاقتصاد المحلي.
أما في ظل الوضع الحالي، فإن ضعف الخدمات قد يشكل عائقاً أمام هذا الدور التنموي الذي يمكن أن يلعبه القطار في ربط الجديدة بالعاصمة الاقتصادية.
أسئلة تنتظر أجوبة
اليوم، يطرح المرتفقون أسئلة واضحة على إدارة السكك الحديدية:
أين برامج تحديث القطارات على هذا الخط؟ ولماذا لم يتم بعد إطلاق مشروع حقيقي لتأهيل المحطات والبنية التحتية؟ ولماذا يستمر الاعتماد على قطارات قديمة في محور يعرف حركة تنقل يومية كثيفة؟
هذه الأسئلة موجهة بالأساس إلى إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية، وعلى رأسها المدير العام محمد ربيع لخليع، الذي أصبح مطالباً بتقديم رؤية واضحة لإنهاء معاناة المرتفقين.
كرامة المسافر قبل كل شيء
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بوسيلة نقل، بل بكرامة المواطن الذي يعتمد على القطار في حياته اليومية. فالتنقل حق أساسي يجب أن يتم في ظروف تحترم الإنسان وتراعي وقته واحتياجاته.
إن تطوير الخط السككي بين الجديدة والدار البيضاء لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة لضمان تنقل لائق للمواطنين وتعزيز الدينامية الاقتصادية للجهة.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل قطارات دكالة شاهدة على مفارقة مؤلمة: بلد يسير نحو مشاريع نقل متطورة في بعض مناطقه، بينما ما يزال جزء من مواطنيه عالقين داخل عربات متعبة تذكرهم كل يوم بأن طريق التحديث لم يصل بعد إلى كل المحطات.
