منارة سيدي مصباح.. مصيرية التراث التاريخي بإقليم الجديدة أمام اختبار التأهيل وتحديات النمو العمراني
تتصدر منارة سيدي مصباح، إحدى المعالم التاريخية البارزة بإقليم الجديدة، نقاشًا متسعًا حول واقعها الراهن ومستقبلها في ظل التغيرات العمرانية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة. المنارة، التي يعود تاريخ تشييدها إلى أكثر من 150 سنة، لعبت دورًا محوريًا في توجيه الملاحة البحرية على امتداد الساحل الأطلسي، ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة المنطقة وتراثها البحري، غير أن وضعيتها الحالية تثير تساؤلات متجددة بخصوص الاهتمام المؤسسي بترميمها وتأهيلها وإدماجها في مسارات تثمين التراث السياحي والثقافي.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن المنارة توجد في حالة إغلاق منذ فترة، دون أن يتوفر برنامج واضح لإعادة تأهيلها أو فتحها في وجه الزوار، وهو ما أثار استياء عدد من الفاعلين المدنيين والمهتمين بالشأن التراثي، الذين يرون في هذه الوضعية ضياعًا لإرث تاريخي وجمالي يمكن أن يشكل رافعة إضافية لتنمية السياحة الثقافية والبيئية بالإقليم. وقد لاحظ هؤلاء أن المكانة التاريخية للمنارة، التي كانت على مدى عقود مرجعًا للملاحة البحرية، لم تُترجم حتى الآن إلى برامج طموحة تعتمد مقاربة مستدامة تجمع بين الحفظ والاستثمار الثقافي.
في ذات السياق، تشكل التغيرات العمرانية التي تعرفها منطقة الحوزية مصدر قلق إضافي، حيث تسود مخاوف من أن المشاريع السكنية الحديثة وما يرافقها من توسعات قد تؤثر على المشهد العام المحيط بالمنارة، وتُضعف من انسجامها البصري مع محيطها الطبيعي والتاريخي، في وقت تصبح فيه الحاجة إلى حدود تنظيمية واضحة بين التنمية العمرانية والمحافظة على العناصر التراثية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وطالبت فعاليات مدنية ومهتمون بالشأن المحلي بضرورة إيلاء عناية أكبر لمنارة سيدي مصباح، من خلال بلورة برامج ترميم وصيانة مستعجلة، تعمل على إعادة إحياء هذا الرمز التاريخي واستثماره ضمن دينامية السياحة البيئية والثقافية التي تشهدها جهة الدار البيضاء – سطات، بما يسهم في تعزيز جاذبية الإقليم واستثمار فرادى التاريخ والهوية المحلية. كما دعوا إلى فتح حوار تشاركي يضم الجهات الحكومية، والمنتخبين، وممثلي المجتمع المدني، والخبراء في مجال التراث العمراني، بهدف الخروج برؤية شمولية تحفظ التراث وتدعم التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، يؤكد المتتبعون أن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية العمرانية والحفاظ على التراث ليس ترفًا بل ضرورة استراتيجية، تتطلب احترام الأطر القانونية الجاري بها العمل، وخاصة تلك المتعلقة بحماية الممتلكات التاريخية وتثمينها، إلى جانب تفعيل أدوات التخطيط العمراني التي تضمن انسجام المشاريع الجديدة مع المعالم التاريخية.
ويبقى الحفاظ على منارة سيدي مصباح، حسب متابعين، جزءًا أساسيًا من صون الذاكرة المحلية وتعزيز الهوية الثقافية للمنطقة، بما يتناغم مع الجهود الوطنية الرامية إلى تثمين التراث المادي واللامادي، ويمنح المنطقة فرصة لإعادة اكتشاف مكون من مكونات تاريخها البحري بشكل يجعل من هذا الرمز التاريخي وجهة ثقافية وسياحية تستحق الاهتمام.
تجدر الإشارة إلى أن منارة سيدي مصباح، التي ساهمت في توجيه السفن على طول الساحل منذ أكثر من قرن ونصف، تظل معلمًا ذا قيمة تاريخية وجمالية، وقد باتت مطالبة بتدخل عاجل يضمن سلامتها واستدامتها، ويحولها من مجرد ذكرى تاريخية إلى مورد معرفي وسياحي يخدم التنمية المحلية.
