11 يناير.. “البيان الأول” الذي أربك حسابات الحماية وصاغ مستقبل المغرب الحديث
في ذاكرة الشعوب وتواريخها، تبرز لحظات فارقة تُنهي حقبة وتؤسس لأخرى؛ وبالنسبة للمغرب، يمثل تاريخ 11 يناير 1944 تلك “اللحظة الصفر” التي قرر فيها المغاربة، ملكاً وشعباً، كسر قيود الحماية الفرنسية ليس بالرصاص هذه المرة، بل بقوة الحجة السياسية وجرأة الموقف الدبلوماسي.
من الظل إلى الضوء.. تغيير قواعد اللعبة
لقد كانت وثيقة المطالبة بالاستقلال أكثر من مجرد “عريضة” احتجاجية؛ كانت بمثابة مناورة سياسية ذكية نفذتها الحركة الوطنية بتنسيق وثيق مع السلطان سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس). ففي الوقت الذي كان العالم يخرج فيه من أتون الحرب العالمية الثانية، استغل المغرب “روح العصر” الجديدة ليضع القوى الاستعمارية أمام مسؤوليتها التاريخية.
بتقديم هذه الوثيقة، انتقل المغرب من خانة “الطلبات الاجتماعية” وتحسين شروط “الحماية”، إلى مربع “المطالبة بالسيادة”؛ وهي النقطة التي لا رجعة فيها، والتي وضعت القوى الدولية أمام حقيقة مفادها أن المغرب دولة عريقة لا تقبل بغير الاستقلال التام بديلاً.
دلالات التوقيت والمضمون
ما يميز “مانيفستو الاستقلال” هو نضجه السياسي؛ حيث لم يكتفِ بالمطالبة بالحرية، بل رسم ملامح الدولة المغربية المنشودة:
-
الشرعية التاريخية: التمسك بالعرش العلوي كرمز لوحدة الأمة.
-
الانفتاح الدولي: مخاطبة الحلفاء (الولايات المتحدة وبريطانيا) لتدويل القضية.
-
النظام الشوري: الإشارة الصريحة إلى بناء مغرب ديمقراطي حديث يتجاوز هياكل الإدارة الاستعمارية.
جبهة داخلية صلبة
لقد أثبتت أحداث ما بعد 11 يناير أن الوثيقة لم تكن حبراً على ورق، بل كانت نبض شارع انتفض من طنجة إلى الكويرة. الاعتقالات التي طالت الموقعين والرموز الوطنية لم تزد الشعلة إلا توهجاً، مما أسس لمرحلة الكفاح المسلح لاحقاً، وتوج بالعودة المظفرة للملك الشرعي وإعلان الاستقلال.
رسالة الذكرى في مغرب اليوم
إن الاحتفاء بهذه الذكرى اليوم في مغرب القرن الحادي والعشرين، هو استلهام لتلك “الروح الوطنية” في مواجهة التحديات الراهنة. هي تذكير بأن قوة المغرب تكمن دائماً في ذلك “الالتحام العضوي” بين مؤسسته الملكية وقواه الحية؛ وهي المعادلة التي نجحت في انتزاع الاستقلال بالأمس، وتنجح اليوم في تكريس مغربية الصحراء وقيادة قاطرة التنمية في القارة الإفريقية.
