48 ساعة تحت رحمة السماء: فيضانات تعمّ المغرب، سدود في وضع حرج، واستنفار وطني لحماية الأرواح

ksar-el-kebir-inondations-pluies-900x600

دخل المغرب خلال اليومين الأخيرين مرحلة استثنائية من الضغط المناخي، بعدما شهدت عدة أقاليم، خاصة بالشمال والغرب، تساقطات مطرية غزيرة ومركّزة في وقت وجيز، خلّفت فيضانات واسعة، ورفعت منسوب الأنهار إلى مستويات مقلقة، ووضعت عدداً من السدود الكبرى أمام اختبار حقيقي لقدرتها الاستيعابية. هذا الوضع فرض على السلطات الانتقال من منطق المراقبة إلى التدخل الاستعجالي، في ظل مخاوف من اتساع رقعة الأضرار، وتهديد مباشر لسلامة السكان، خاصة في المناطق الهشة.

أمطار عنيفة وسيناريوهات معقّدة

التقلبات الجوية التي عرفتها البلاد لم تكن عادية في حدتها ولا في وتيرتها، إذ تميزت بهطول كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة، مصحوبة أحياناً بعواصف رعدية ورياح قوية، ما حوّل الأودية الموسمية إلى سيول جارفة، وأربك منظومة التصريف الطبيعي للمياه. وقد شملت هذه الاضطرابات مدناً استراتيجية بالشمال، من بينها طنجة، تطوان، شفشاون، والقصر الكبير، إلى جانب أقاليم واسعة بجهة الغرب، حيث وجدت الساكنة نفسها أمام واقع مائي ضاغط، يتجاوز في بعض المناطق قدرة الأرض والبنيات على الاستيعاب.

السدود في قلب المعادلة… تصريف اضطراري لتفادي الكارثة

أمام الارتفاع السريع في حقينات السدود، اضطرت الجهات المختصة إلى تفعيل خيار تقني دقيق يتمثل في تصريف كميات كبيرة من المياه من سدود وادي المخازن، الوحدة، وسد إدريس الأول، حيث بلغت الكميات المصرفة ما يقارب خمسة ملايين متر مكعب. هذا الإجراء، وإن كان ضرورياً لضمان سلامة المنشآت السدّية، إلا أنه خلق ضغطاً إضافياً على الأنهار المرتبطة بها، خاصة سبو، ورغة، واللوكوس، التي ارتفع منسوبها بشكل ملحوظ، مهدداً المناطق الواقعة في المصب بفيضانات محتملة.

تاونات تحت الضغط… نهر ورغة يعيد المخاوف القديمة

إقليم تاونات برز كواحد من أكثر الأقاليم عرضة للتداعيات المباشرة لهذا الوضع، خاصة الجماعات الترابية التي يخترقها نهر ورغة. تصريف سد إدريس الأول يُنذر بزيادة منسوب المياه في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة عمرانية وبنيوية، حيث تنتشر مساكن طينية وبنيات غير مهيأة لمواجهة الفيضانات. وخلال الساعات الأخيرة، تم تسجيل انقطاع عدة محاور طرقية، وعزل بعض الدواوير، ما دفع السلطات إلى رفع حالة التأهب، وتكثيف المراقبة الميدانية، تحسباً لأي تطور مفاجئ قد يزيد من معاناة الساكنة.

جهة الغرب… حين تتحول الأرض المنبسطة إلى مصيدة مائية

بجهة الغرب، أخذت الفيضانات طابعاً أكثر اتساعاً وأقل سرعة، لكنه لا يقل خطورة. فبسبب الطبيعة الجغرافية المنبسطة للمنطقة، تجد المياه صعوبة كبيرة في التصريف، ما يؤدي إلى غمر مساحات شاسعة لفترات طويلة. هذا الوضع خلّف أضراراً جسيمة بالقطاع الفلاحي، خاصة على مستوى المحاصيل الموسمية والحبوب، مهدداً التوازن الاقتصادي لعدد كبير من الأسر القروية، ومثيراً مخاوف من انعكاسات اجتماعية تمتد آثارها إلى ما بعد انحسار المياه.

الشمال يدفع كلفة إنسانية باهظة

في المقابل، كانت مدن الشمال مسرحاً لفيضانات أكثر عنفاً، بفعل العواصف الرعدية والسيول الفجائية، التي تسببت في أضرار مادية كبيرة، وأسفرت عن فاجعة إنسانية مؤلمة إثر مصرع أسرة كاملة مكونة من خمسة أفراد، أثناء محاولتها عبور أحد الأودية. وقد تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال أربع جثامين، فيما تواصل الفرق المختصة عمليات البحث عن الضحية الخامسة، في ظروف صعبة، ما أعاد إلى الواجهة خطورة الاستهانة بقوة السيول خلال الفترات الحرجة.

استنفار وطني شامل… تدخل من البر والجو

أمام هذا الوضع المتشابك، أعلنت السلطات رفع حالة التأهب القصوى، مع تعبئة شاملة لمختلف المتدخلين. وشهدت سماء أقاليم الغرب والشمال تحليقاً مكثفاً لمروحيات القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، التي جرى تسخيرها لإيصال المساعدات الغذائية، وإغاثة الساكنة المحاصَرة، والمساهمة في عمليات الإجلاء عند الضرورة. كما واصلت فرق الوقاية المدنية، والأمن الوطني، والقوات المساعدة تدخلاتها الميدانية، سواء عبر فتح الطرق المقطوعة، أو تأمين المناطق المهددة، أو مراقبة المنشآت الحيوية.

تنزيل صارم لتعليمات ملكية

هذا الاستنفار الواسع يأتي في سياق تنفيذ التعليمات الملكية الصارمة المتعلقة بحماية المواطنين في حالات الطوارئ، حيث جرى تفعيل مخططات الإجلاء، وتعزيز التنسيق بين المصالح المركزية والجهوية، مع إعطاء الأولوية القصوى لإنقاذ الأرواح، وتأمين الساكنة، ومواكبة المتضررين إنسانياً واجتماعياً. وقد لعبت لجان اليقظة المحلية والإقليمية دوراً محورياً في تتبع الوضع ساعة بساعة، واتخاذ القرارات الميدانية اللازمة.

نداءات رسمية ومسؤولية مشتركة

وفي ظل استمرار التقلبات الجوية، جددت السلطات نداءاتها للمواطنين بضرورة الابتعاد عن مجاري المياه والأودية، وتفادي التنقل غير الضروري، وتعليق الأسواق الأسبوعية، وإخلاء المنازل المهددة بالانهيار، خاصة تلك الواقعة تحت السفوح أو فوق تربة هشة، مع تأجيل السفر إلى حين استقرار الأحوال الجوية المرتقب قريباً.

بلاد في امتحان صعب

يمر المغرب خلال هذه الساعات بامتحان طبيعي قاسٍ، يكشف حجم التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، ويعيد طرح أسئلة الجاهزية، والبنية التحتية، والتدبير الاستباقي للمخاطر. وبين ضغط الطبيعة وحجم التدخلات، يبقى الرهان الأكبر هو عبور هذه المحنة بأقل الخسائر الممكنة، في ظل يقظة السلطات، وتعاون المواطنين، وانتظار انقشاع السماء وعودة الهدوء.

About The Author