حين صارت الكرة لغة دولة: المغرب يعيد تعريف موقعه الكروي في العالم

xr:d:DADo8glfs9U:5390,j:47537756452,t:23052000

xr:d:DADo8glfs9U:5390,j:47537756452,t:23052000

لم يعد حضور المغرب في المشهد الكروي الدولي حدثًا عابرًا مرتبطًا بنتيجة مباراة أو تنظيم بطولة، بل أصبح مسارًا متكاملًا يعكس تحوّل كرة القدم  برعاية ملكية سامية إلى أحد مداخل فهم المشروع المغربي الحديث. فمع انطلاق كأس أمم إفريقيا، يجد المغرب نفسه في قلب الحدث، ليس فقط بصفته بلدًا مضيفًا، بل كدولة أعادت بناء موقعها الكروي وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

هذا التحول لم يولد مع صافرة بداية بطولة، ولم يكن نتاج لحظة رياضية استثنائية، بل هو ثمرة سنوات من العمل الهادئ، قادته الدولة من أعلى مستوى، حين جرى التعامل مع كرة القدم باعتبارها أكثر من لعبة، بل أداة للتنمية، وواجهة للتموقع الدولي، ورافعة من روافع القوة الناعمة.

قبل سنوات، كانت كرة القدم المغربية تعاني اختلالات بنيوية واضحة: ضعف التكوين، هشاشة البنيات التحتية، وتذبذب الحضور القاري والدولي. غير أن هذا الواقع بدأ يتغير عندما انتقل القرار الرياضي من منطق التدبير اليومي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي، وربط الرياضة بمفهوم الدولة الحديثة. هنا تحديدًا بدأ التحول الحقيقي.

في قلب هذا المسار، برز الاستثمار في القاعدة كخيار حاسم. فبدل الاكتفاء بتدبير النتائج، جرى الاشتغال على الإنسان الرياضي، تكوينًا وتأطيرًا، وفق معايير علمية دقيقة. وكان إحداث مركز محمد السادس لكرة القدم محطة مفصلية، ليس فقط لما يوفره من تجهيزات، بل لما يحمله من فلسفة جديدة تعتبر التكوين رهانًا سياديًا، لا مجال فيه للاجتهادات الظرفية.

هذا الخيار  الذي أراده جلالة الملك محمد السادس أثمر جيلًا جديدًا من اللاعبين والأطر، قادرًا على المنافسة في أعلى المستويات، وهو ما تُرجم في الحضور المتواصل للمغرب في كأس العالم، ثم الإنجاز غير المسبوق في مونديال قطر، حيث لم يعد المنتخب المغربي مجرد مشارك، بل فاعل قلب موازين اللعبة، وفرض احترامه على مدارس كروية عريقة.

غير أن البعد الرياضي لم يكن وحده في قلب هذا التحول. فبالتوازي مع التكوين، انخرط المغرب في ورش ضخم لتحديث بنياته التحتية، من خلال إعادة تأهيل وبناء ملاعب كبرى تستجيب للمعايير الدولية. لم تعد الملاعب مجرد فضاءات للعب، بل مركبات متكاملة، تُراعي تجربة الجمهور، ومتطلبات البث، وشروط السلامة، وتخدم أهدافًا اقتصادية وسياحية أوسع.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الملعب الكبير ببنسليمان كعنوان لطموح يتجاوز الحاضر. فالمغرب، من خلال هذا الورش، لا يستهدف فقط تحطيم الأرقام، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن الرياضة أصبحت جزءًا من رؤية استشرافية طويلة المدى، تضع المملكة في مصاف الدول القادرة على احتضان أكبر التظاهرات العالمية.

هذا التراكم في الإنجازات والتنظيم لم يمر دون أن ينعكس على صورة المغرب خارجيًا. فالثقة التي باتت تحظى بها المملكة داخل المؤسسات الرياضية القارية والدولية لم تأتِ من فراغ، بل من سجل متراكم من الالتزام والنجاح. وهو ما تُرجم في احتضان بطولات قارية، ثم الظفر بشرف تنظيم كأس العالم 2030، في اعتراف دولي صريح بقدرة المغرب على الوفاء بالتزاماته.

سياسيًا، تحولت كرة القدم إلى إحدى أدوات الحضور المغربي في إفريقيا. فمن خلال التعاون في مجالات التكوين وبناء الملاعب وتبادل الخبرات، عزز المغرب موقعه كشريك موثوق داخل القارة، وجعل من الرياضة جسرًا إضافيًا لتقوية علاقاته جنوب–جنوب، بعيدًا عن الخطابات التقليدية.

داخليًا، أسهم هذا التحول في إعادة الاعتبار للشباب، وفتح آفاق جديدة للإدماج الاجتماعي والمهني. فمشاريع كرة القدم لم تعد محصورة في النخبة، بل امتدت إلى مختلف الجهات، وربطت الرياضة بالتنمية المحلية، وخلق فرص الشغل، وتنشيط الاقتصاد المرتبط بالسياحة والخدمات.

ومع انطلاق كأس أمم إفريقيا، يقدم المغرب نفسه اليوم كنموذج لدولة جعلت من التنظيم المحكم، والأمن، والبنية التحتية، وحسن الاستقبال، عناصر أساسية في معادلة النجاح. بطولة لا تُختزل في المنافسة فوق المستطيل الأخضر، بل في القدرة على تدبير حدث قاري كبير دون أن يتأثر الإيقاع اليومي للمدن والمواطنين.

في النهاية، ما يعيشه المغرب كرويًا هو انعكاس لاختيار استراتيجي واضح: جعل كرة القدم جزءًا من مشروع الدولة، لا مجرد ترف رياضي. اختيار جعل من المملكة وجهة كروية عالمية، ومن اللعبة لغة جديدة للتواصل مع العالم، عنوانها الجدية، والاستمرارية، والثقة.

About The Author