الرقابة القضائية تقتحم “قلاع المشفر”: المادة 108 من المسطرة الجنائية تنهي حصانة “الواتساب” وتمنح وكلاء الملك مفاتيح الاعتراض الرقمي
في الوقت الذي كان فيه مستخدمو تطبيقات التواصل الاجتماعي يعتقدون أنهم خلف جدران “التشفير” المنيعة، جاء مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد ليعيد خلط الأوراق. فمن خلال التعديلات الجوهرية التي طرأت على المادة 108، انتقل المشرع المغربي من الرقابة الكلاسيكية على المكالمات الهاتفية إلى “السيادة الكاملة” على الفضاء الرقمي، مانحاً الأجهزة القضائية صلاحيات واسعة لاختراق واعتراض المراسلات والمكالمات عبر تطبيقات “الواتساب”، “فايسبوك”، “تيك توك”، وغيرها.
ثورة المفاهيم: من “الهاتف” إلى “الوسيط الرقمي”
يرى الأستاذ يوسف الوهابي، المحامي والباحث القانوني، أن الصياغة المعدلة للمادة 108 لم تعد مجرد “تحسين تقني”، بل هي “ثورة مفاهيمية” شاملة. فالمشرع استبدل مصطلح “التنصت الهاتفي” بإطار قانوني مرن يتسع لكل أشكال الاتصال الحديثة. وبموجب هذا التعديل، أصبح الاعتراض يشمل:
-
المكالمات عبر الإنترنت (VoIP): رصد وتسجيل المكالمات الصوتية والمرئية.
-
المراسلات الفورية: اعتراض الرسائل النصية والوسائط المتبادلة عبر تطبيقات التواصل.
-
البريد الإلكتروني: بسط الرقابة على المراسلات المهنية والشخصية الرقمية.
هندسة جديدة للصلاحيات: وكلاء الملك في قلب المعركة
أبرز ما حمله التعديل هو “دقرطة” صلاحية الأمر بالاعتراض؛ فبعد أن كان هذا الإجراء الاستثنائي حكراً على الجنايات الكبرى وتحت يد الوكلاء العامين أو قضاة التحقيق، تم توسيع الصلاحيات لتشمل وكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية. هذا التغيير سيمكن من ملاحقة مرتكبي الجنح الرقمية (كالابتزاز، التشهير، والنصب) بفعالية وسرعة أكبر، مستجيباً بذلك للمطالب الرامية إلى تشديد الرقابة على “الانفلات الرقمي”.
ولم يكتفِ المشرع بتوسيع جهات الأمر، بل وسع “سلة الجرائم”؛ حيث أصبحت الصلاحية تشمل كافة الجنايات والجنح المنصوص عليها قانوناً، مع استخدام عبارات قانونية مرنة تسمح بضم الجرائم المرتبطة أو غير القابلة للتجزئة، مما يمنع “إفلات” أي نشاط إجرامي رقمي من المراقبة.
الحقوق والحريات.. في مواجهة “مبضع” الاعتراض
ورغم النبرة الزجرية القوية للتعديلات، يثير المحامي يوسف الوهابي تساؤلات حارقة حول “قدسية الخصوصية”. فالتوسع في اعتراض “الواتساب” والتطبيقات المشابهة يضع حقوق الأفراد على المحك. ويشدد الوهابي على أن هذا “المبضع القانوني” يجب أن يُستعمل بضوابط صارمة، تضمن:
-
الضرورة القصوى: أن يكون الاعتراض هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لكشف الحقيقة.
-
التناسب: أن يتناسب حجم الاختراق مع خطورة الجريمة المرتكبة.
-
الرقابة الصارمة: تفعيل آليات المحاسبة في حال انحراف استعمال هذه السلطة التقديرية الواسعة.
خلاصة القول
إن المغرب، ومن خلال المادة 108 الجديدة، يختار رسمياً مواجهة الجريمة “بأسلحتها الرقمية”. هي خطوة تضع المملكة في مصاف الدول التي طورت ترسانتها لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنها في الوقت ذاته تضع القضاء أمام امتحان عسير للموازنة بين “هيبة الدولة” و”حرمة الحياة الخاصة” في زمن “الشفافية الرقمية القسرية”.
