الجرف الأصفر على صفيح ساخن: أزمة طاقة خانقة تهدّد استقرار العمال وتكشف هشاشة النسيج الاقتصادي المحلي
في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة تواجهها المملكة، يغدو الجرف الأصفر، المنطقة الصناعية والطاقة بمحاذاة ميناء المدينة في إقليم الجديدة، أحد أبرز المواقع التي تعكس هشاشة التوازن بين متطلبات الإنتاج وواقع العمال، وسط أزمة طاقة تدق ناقوس الخطر بالنسبة للنسيج الاقتصادي والمهني في المنطقة.
يعد الجرف الأصفر موقعاً استراتيجياً للصناعات الطاقية والكيميائية في المغرب، وهو موطن لواحدة من أكبر محطات توليد الكهرباء في المملكة بطاقة تتجاوز 1300 ميغاواط، ما يجعله من المصادر الأساسية لتلبية الطلب الوطني على الطاقة الكهربائية.
في الأثناء، تلقي الأزمة العالمية في أسواق الطاقة، التي دفعت بأسعار النفط والوقود إلى مستويات قياسية مع تداعيات النزاع في الشرق الأوسط، بظلالها على المغرب، الذي يعتمد بنحو 94% على واردات الطاقة، ما يجعله واحداً من الدول الأكثر هشاشة أمام موجات الارتفاع في أسعار الطاقة على الصعيد الدولي.
هذه الضغوط انعكست على تكاليف التشغيل والإنتاج في المواقع الصناعية الكبرى، الأمر الذي بدأ ينعكس بدوره على أوضاع العمال وأمنهم المهني. ففي ظل تكاليف الطاقة المرتفعة، تبدو قدرة بعض الشركات على مواصلة النشاط مستقرة في المدى القصير، لكنها مثقلة برفع كلفة الخدمات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمستخدمين، وهو ما ينعكس على مستويات التشغيل والأجور. ومع تصاعد التكاليف التشغيلية، أبدت منظمات عمالية ومستخدمون في قطاعات مختلفة قلقها من تهديد استقرار مناصب الشغل واستمرار حقوق الشغيلة، لا سيما في القطاعات المهددة بتراجع الإنتاج نتيجة ارتفاع الفاتورة الطاقية.
هذا الواقع لا يخص الجرف الأصفر فقط، إذ سجلت نقابات في مواقع صناعية أخرى احتجاجات عمالية احتجاجاً على تدهور شروط السلامة المهنية والتأثيرات الصحية على العمال في مواقع صناعية قريبة من الجرف الأصفر، وهو ما يضيف بعداً اجتماعياً إلى الأزمة الاقتصادية، إذ أن الشروط المتدهورة للعمل تثير مخاوف عميقة حول حماية حقوق العمال وأمنهم.
وفي سياق مواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار، أعلن الحكومة المغربية عن حزمة دعم بقيمة 1.65 مليار درهم لدعم استقرار أسعار المواد الأساسية والطاقة، بما يشمل تجميد أسعار الكهرباء وعبوات البوتان، ودعم قطاع النقل المهني، كإجراء لتخفيف العبء على الأسر والمهنيين في مواجهة موجة ارتفاع الأسعار العالمية.
لكن مع استمرار هذا الضغط على موارد الشركات والقدرة الشرائية للمستخدمين، يبقى السؤال حول مدى قدرة الاقتصاد المحلي والقطاع الصناعي في الجرف الأصفر على امتصاص هذه الصدمات وتأمين استقرار الشغل والحقوق المهنية، خصوصاً في غياب حلول هيكلية تقلص الاعتماد الكبير على واردات الطاقة وتضع خططاً بديلة للاستثمارات في مصادر طاقة متجددة وقدرات إنتاج محلية.
في الوقت الذي يتجه فيه الاقتصاد الوطني صوب تعزيز قدراته الانتاجية وجذب الاستثمارات الصناعية في مواقع مثل الجرف الأصفر، تبقى أزمة الطاقة التي تهدد استقرار السلم المهني والأمن الاقتصادي للعمال مسألة مطروحة على أعلى مستويات التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، ما يستدعي مقاربة شاملة لربط الاستدامة الاقتصادية بحماية حقوق الشغيلة وضمان بيئة تشغيلية آمنة ومستقرة.
