“فضيحة تتجاوز الانتهاك… وتثير صدمة في المجتمع المحلي” توقيف أطباء بمستشفى محمد الخامس بالجديدة بعد اختلالات خطيرة في العمل العمومي
جديدتي 6 أبريل 2026
في واقعة غير مسبوقة داخل المنظومة الصحية المحلية، كشفت لجنة تفتيش مركزية تابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، عن اختلالات جسيمة في طريقة اشتغال عدد من الأطباء داخل المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة، مما أدّى إلى توقيف ثلاثة أطباء مؤقتاً وإحالتهم على التحقيق التأديبي، في خطوة تعكس عمق الأزمة التي تعصف ببعض مؤسسات القطاع الصحي العمومي بالمملكة.
أظهرت المعاينات الأولية للجنة التفتيش وجود حالات متعددة لأطباء يغادرون مراكزهم بالمستشفى العمومي خلال ساعات العمل الرسمية، بهدف مزاولة مهامهم في مصحات خاصة بمدينة الجديدة، في انتهاك صارخ للواجبات المهنية والالتزامات القانونية المرتبطة بالقطاع العام. وقد لوحظ أن بعض هؤلاء يقضون ساعات عمل في المصحات الخاصة أكثر مما يقضونه داخل المستشفى العمومي الذي يتقاضون منه أجورهم، ما تسبب في ضغط كبير على الخدمات الصحية العمومية وتأجيل مواعيد الفحص والعمليات الجراحية.
وتشير المعطيات إلى أن غياب الأطباء في فترات حاسمة من اليوم، خاصة خلال الدوام الرسمي والمداومات، أدّى إلى تراجع في جودة الخدمات المقدّمة للمرضى، في وقت يواجه فيه المركز الاستشفائي ضغوطاً متواصلة بسبب حاجة السكان المتزايدة للرعاية الصحية.
بناءً على التحريات والتفتيش الميداني المنهجي، سجلت اللجنة المركزية عدة «اختلالات كبيرة» في تدبير الزمن الطبي واحترام أوقات العمل، وهو ما يعكس خللاً في النظام الإداري والمراقبة داخل المؤسسة الصحية. كما كشفت المعاينات عن علاقة وثيقة بين بعض الأطباء وبين مصحات خاصة في المدينة، حيث لوحظ توقف شبه كامل لبعض الخدمات في المصحات خلال فترات تكون الأطباء المشتبه فيهم حاضرين في المستشفى العمومي، ثم عودتهم إلى القطاع الخاص خلال الوقت الأكبر من اليوم.
هذه المعطيات تتجاوز مجرد «غياب أو تأخير»، لتفتح الباب أمام اتهامات أخلاقية ومهنية خطيرة حول استغلال الأطر الطبية للقطاع العام لصالح المصلحة الخاصة، وهو ما يطرح تحديات جوهرية لمسار الإصلاح الصحي في المغرب.
وعلى ضوء هذه الوقائع، قررت اللجنة المركزية توقيف الأطباء الثلاثة مؤقتاً عن ممارسة مهامهم داخل المستشفى، وإحالتهم على المجلس التأديبي المختص للنظر في المخالفات المنسوبة إليهم، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة في شأنها. كما أعلنت الوزارة أنها ستواصل عمل اللجنة لضبط كل التفاصيل المتعلقة بسجلات الحضور، ومواعيد المداومات، وطريقة توزيع المهام، وذلك في إطار البحث الجاري لكشف كل الملابسات والامتدادات المحتملة لهذه القضية.
مصادر مطلعة أكدت أن التحقيقات لا تقتصر على توقيف الأشخاص فحسب، بل ستشمل كذلك مراجعة للضوابط المتبعة في تعيين الأطباء وتوزيع أوقات العمل والمراقبة، بهدف تصحيح الإخلالات النظامية والمنهجية التي باتت تهدّد الأمن الصحي للمواطنين.
لا تأتي هذه الحادثة بمعزل عن توترات أخرى شهدتها المؤسسات الصحية، خاصّة في مدينة الجديدة، حيث سبق أن واجه المشهد الصحي انتقادات متعددة مرتبطة بالاختلالات الإدارية وتأثيرها على جودة الخدمات، ما دفع الوزارة إلى إجراءات سابقة، من بينها إنهاء مهام مدير المستشفى الإقليمي عام 2024 بسبب سلسلة من الإشكالات التي أثّرت على سير المؤسسة.
الأزمة الحالية تضع مرة أخرى نقطة نظام حول فعالية التدبير الإداري داخل المؤسسات الصحية العمومية، وتدعو إلى مراجعة شاملة لآليات الرقابة والتسيير، لا سيما في الملفات الحساسة التي تمسّ مباشرة حقوق المرتفقين في الولوج إلى الرعاية الصحية الكفؤة.
السكان المحليون والمرتفقون عبّروا عن استيائهم من التأثير السلبي لهذه الاختلالات على سير الخدمات، خاصة في ظل استمرار الضغط على المنظومة الصحية الوطنية، التي تواجه تحديات كبيرة في الاستجابة لاحتياجات المواطنين، سواء من حيث الطواقم أو التجهيزات. ويشدد المراقبون على أن هذه الأخطاء المهنية والإدارية لا تؤثر فقط على جودة الرعاية، بل تضع ثقة المواطنين في المؤسسات الصحية العمومية على المحك.
القضية التي كشفتها لجنة التفتيش بخصوص أطباء مستشفى محمد الخامس بالجديدة ليست مجرد خرق إداري بسيط، بل هي بمثابة إنذار حقيقي لمدى هشاشة التدبير داخل بعض المؤسسات الصحية العمومية. وبين تجاوزات مهنية، وإهمال للالتزام بالواجبات، وضرورة مساءلة واضحة، يرسم هذا الملف مَشْهَداً مركّباً يستدعي تدخلات تنظيمية وإصلاحية عاجلة لضمان احترام حقوق المرضى وحماية النظام الصحي العام.
وفي ظل تنامي الوعي بحقوق المرتفقين، فإن استمرار سياسة “التسامح التنظيمي” في مواجهة هذه الخروقات لن يكون مجدياً… حان الوقت لوضع معايير صارمة للمساءلة، وتعزيز نظم المراقبة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن وقطاع الصحة العمومي.
