في مشهد يختزل أعطاب التدبير المحلي وتراكم المشاريع المتعثرة، يطفو إلى السطح من جديد ملف مستودع الأموات بمدينة الجديدة، كمثال صارخ على مرفق حيوي ظل خارج الخدمة لما يقارب نصف قرن، رغم الحاجة الملحّة إليه، ورغم الوعود المتكررة بإعادة تأهيله ووضعه رهن إشارة المواطنين.
هذا المرفق، الذي شُيّد سنة 1982، كان من المفترض أن يشكل بنية أساسية لاستقبال جثامين المتوفين خارج أسوار المستشفى، خاصة ضحايا حوادث السير والحالات التي تستوجب إجراءات قانونية خاصة، غير أنه ظل مغلقاً منذ ذلك الحين، في وضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول مآل مشاريع مماثلة، وحول أسباب هذا الجمود غير المبرر.
وعلى امتداد عقود، تعاقب على تدبير الشأن المحلي بالإقليم عدد من المسؤولين، من رؤساء جماعات وعمال، دون أن ينجح أي منهم في إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، رغم رصد غلاف مالي قُدّر بحوالي 3.5 مليون درهم قبل أكثر من عشر سنوات من أجل تأهيله، في خطوة كان يُفترض أن تنهي هذا الملف وتضع حداً لمعاناة الأسر.
غير أن الواقع ظل على حاله، حيث ما تزال ساكنة الجديدة تعاني من غياب هذا المرفق، في ظل اضطرار العائلات إلى التنقل بين مؤسسات مختلفة وفي ظروف صعبة، لاستكمال الإجراءات المرتبطة بنقل الجثامين أو إيداعها، في لحظات إنسانية حساسة تتطلب، في الأصل، التبسيط والتيسير بدل التعقيد والإجهاد.
كما أن مشروع “الشباك الوحيد”، الذي تم الترويج له كآلية لتجميع وتبسيط مختلف المساطر المرتبطة بنقل الجثامين، لم يحقق الأثر المرجو منه على أرض الواقع، ليبقى مجرد إجراء نظري لم ينعكس بالشكل الكافي على تحسين جودة الخدمات أو تخفيف العبء عن الأسر المكلومة.
هذا الوضع يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بضعف التنسيق بين المتدخلين، وبغياب حكامة فعالة قادرة على تتبع المشاريع إلى حين إنجازها، بدل تركها رهينة التأجيل والتسويف، في وقت تزداد فيه حاجيات المدينة وتتفاقم انتظارات ساكنتها.
اليوم، ومع الدينامية التنموية بإقليم الجديدة، التي يقودها عامل الإقليم سيدي صالح داحا، تعود الآمال من جديد في فتح هذا الملف ووضع حد لحالة الجمود التي طال أمدها، خاصة وأن الأمر يتعلق بمرفق ذي بعد إنساني واجتماعي بالغ الحساسية، لا يحتمل مزيداً من التأخير أو التردد.
فهل تشهد المرحلة المقبلة انفراجاً حقيقياً في هذا الملف، عبر تسريع وتيرة التأهيل وفتح المستودع في وجه المواطنين؟ أم أن هذا المشروع سيظل عنواناً بارزاً ضمن لائحة المشاريع المؤجلة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟
في انتظار الجواب، تبقى معاناة الأسر مستمرة، ويبقى مستودع الأموات بالجديدة شاهداً صامتاً على اختلالات تدبيرية تحتاج إلى قرارات حاسمة تعيد الاعتبار لحق المواطنين في خدمات عمومية تحفظ كرامتهم في مختلف الظروف، بما فيها أصعب اللحظات.