شوكي من داخل البرلمان: إشادة قوية بالحصيلة وتحمل صريح للمسؤولية… وخطاب سياسي يعيد توجيه النقاش نحو عمق الإصلاح والسيادة

WhatsApp-Image-2024-05-08-at-16.17.59-750x430

في سياق سياسي يتسم بتصاعد منسوب النقاش حول الحصيلة الحكومية واقتراب استحقاقات مفصلية، برزت مداخلة محمد شوكي تحت قبة مجلس النواب المغربي كخطاب سياسي متكامل لم يكتفِ بالدفاع عن أداء الحكومة، بل سعى إلى إعادة تأطير النقاش العمومي ضمن رؤية أوسع تتجاوز الحسابات الظرفية، وتربط تقييم الحصيلة بمسار إصلاحي وطني طويل النفس يقوده الملك محمد السادس.

شوكي قدم قراءة مختلفة، تقوم على الإقرار الصريح بأن قوة التجربة الحكومية الحالية لا تختزل في أرقام أو مؤشرات ظرفية، بل تنبع من وضوح مرجعيتها السياسية وتماسك مكوناتها، وقدرتها على الجمع بين الشرعية الديمقراطية والبعد السيادي والاجتماعي، في انسجام مع التحولات العميقة التي يعرفها المغرب، وهو ما يجعل هذه التجربة، بحسب تعبيره، جزءاً من مشروع وطني متكامل وليس مجرد ولاية حكومية عابرة.

وفي نبرة سياسية حاسمة، شدد المتحدث على أن تقييم خمس سنوات من العمل الحكومي لا يمكن أن يتم بمنطق التجميل أو الهدم، بل عبر مصارحة مسؤولة تعترف بما تحقق دون تضخيم، وتقر بالاختلالات دون تبرير أو التفاف، مؤكداً أن أي قراءة مجتزأة أو محكومة بمنطق حزبي ضيق تسيء للنقاش العمومي وتفرغ فكرة الإصلاح من بعدها التراكمي، الذي يقوم أساساً على الاستمرارية والترابط بين السياسات.

ولم يُخفِ شوكي انتقاده لجزء من الخطاب السياسي المعارض، معتبراً أن الاكتفاء برفع سقف الانتقاد دون تقديم بدائل عملية يعكس أزمة في إنتاج التصور السياسي، ويحول النقاش الديمقراطي إلى ساحة للمزايدات بدل أن يكون فضاءً للتنافس حول الحلول، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نقاش مسؤول يواكب تعقيد التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

كما أشار إلى أن المرحلة التي مرت بها البلاد لم تكن سهلة، بل اتسمت بتحديات مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدولية، وهو ما كان يفترض، وفق تصوره، تعزيز التوازن بين أدوار الحكومة والمعارضة، غير أن الواقع كشف في بعض المحطات عن انزلاق النقاش نحو التشويش، بدل الانخراط في نقاش سياسي مؤطر برؤية استراتيجية واضحة.

وعلى مستوى الأداء الحكومي، اعتبر شوكي أن تماسك الأغلبية يشكل أحد أبرز عناصر النجاح، حيث أبانت مكوناتها عن قدرة على تدبير الاختلاف في إطار من الانسجام، وهو ما مكنها من الحفاظ على وحدة القرار وتسريع وتيرة الإنجاز، خلافاً لتجارب سابقة طغى عليها منطق الصراع الداخلي، مما انعكس سلباً على مردودية العمل الحكومي.

أما في الشق الاقتصادي، فقد حملت المداخلة رسائل قوية حول التحول الذي يشهده المغرب نحو ترسيخ السيادة الاقتصادية، حيث أكد شوكي أن السياسات العمومية لم تعد تركز فقط على تحقيق نسب نمو ظرفية، بل تتجه نحو بناء استقلالية استراتيجية في قطاعات حيوية، وعلى رأسها الطاقة والماء والغذاء، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، بما يضمن تأمين المستقبل وتقليص التبعية.

واعتبر أن هذا التوجه يعكس انتقالاً نوعياً في التفكير الاقتصادي للدولة، من تدبير الإكراهات إلى بناء الخيارات الاستراتيجية، وهو ما يعزز موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الاعتراف المتزايد بمتانة نموذجه، والذي تجسد أيضاً في نيل شرف تنظيم كأس العالم 2030، كإشارة واضحة على الثقة الدولية في قدراته التنظيمية والاقتصادية.

وفي ختام مداخلته، قدم شوكي تصوراً سياسياً للمستقبل، يقوم على ضرورة تحصين المكتسبات وتسريع الإصلاحات وتعميقها، معتبراً أن التحدي الحقيقي لم يعد في جرد الحصيلة، بل في ضمان استمراريتها وتطويرها بما يعزز ثقة المواطنين ويمنح الأفق للإصلاح، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية ثابتة تضع في صلب أولوياتها توسيع الحماية الاجتماعية، وترسيخ العدالة المجالية، وتعزيز السيادة الاقتصادية.

بهذا الطرح، لم تكن مداخلة شوكي مجرد دفاع عن الحكومة، بل شكلت خطاباً سياسياً واضح المعالم، يعيد ترتيب أولويات النقاش العمومي، ويدفع نحو مقاربة أكثر عمقاً في تقييم الأداء، تقوم على الربط بين الحاضر والمستقبل، وعلى اعتبار الإصلاح خياراً استراتيجياً لا يقبل التردد، بل يتطلب الاستمرارية والوضوح وتحمل المسؤولية الكاملة.

About The Author