النقل الحضري بالجديدة.. مبادرة عامل الإقليم تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية
شكلت الدورة الاستثنائية المنعقدة يوم الخميس 3 شتنبر 2026 بمقر جماعة الجديدة، محطة مهمة في مسار معالجة أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالحياة اليومية لساكنة المدينة، بعدما صادق المجلس الجماعي على النقطتين المتعلقتين بالنقل الحضري، والمقترحتين من طرف عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن ملف النقل الحضري لم يعد مجرد قضية تقنية أو نقطة عابرة ضمن جدول أعمال المجالس المنتخبة، بل أصبح من الملفات التي تختبر قدرة المؤسسات على الاستجابة الفعلية للحاجيات اليومية للمواطنين، خصوصاً في مدينة تعرف حركية سكانية واقتصادية متزايدة.
وفي هذا السياق، برزت مبادرة عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا باعتبارها خطوة ترمي إلى إعادة وضع مرفق النقل الحضري في صلب الاهتمام المؤسساتي، من خلال البحث عن إطار أكثر تنظيماً واستدامة لتدبير هذا المرفق الحيوي، بما يستجيب لتطلعات الساكنة ويواكب حاجيات المدينة.
العامل يضع النقل الحضري ضمن أولويات الخدمة العمومية
تكمن أهمية المبادرة في كونها تنظر إلى النقل الحضري باعتباره خدمة عمومية أساسية، وليس فقط ملفاً مرتبطاً بالتدبير المالي أو بالعلاقة التعاقدية مع شركة للنقل.
فالحافلة بالنسبة إلى المواطن ليست مجرد وسيلة للتنقل، وإنما جزء من الحياة اليومية؛ فهي التي تنقل العامل إلى مقر عمله، والطالب إلى الجامعة، والتلميذ إلى المؤسسة التعليمية، والمريض إلى المستشفى، والأسرة إلى مختلف المرافق والخدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن تحسين النقل الحضري يعني عملياً تحسين شروط العيش والتنقل داخل المدينة، وتقليص معاناة فئات واسعة من المواطنين الذين يعتمدون بشكل أساسي على وسائل النقل العمومي لقضاء مصالحهم اليومية.
وهنا تحديداً تبرز أهمية المقاربة التي اعتمدها عامل الإقليم، والتي تجعل من معالجة الملفات المرتبطة بالمرافق الأساسية شأناً يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ويفرض على مختلف المؤسسات والمتدخلين البحث عن حلول عملية قابلة للتنفيذ.
تصويت المعارضة.. تغليب للمصلحة العامة
ومن اللافت في الدورة الاستثنائية أن المعارضة داخل المجلس الجماعي اختارت التصويت بالإيجاب على النقطتين المتعلقتين بالنقل الحضري.
ويمكن قراءة هذا الموقف باعتباره تأكيداً على أن المعارضة المؤسساتية لا ينبغي أن تتحول إلى رفض آلي لكل المبادرات الصادرة عن الأغلبية أو السلطات، وإنما يفترض أن تكون مواقفها مرتبطة أولاً وأخيراً بما يخدم مصالح المواطنين.
فحين يتعلق الأمر بمرفق حيوي من حجم النقل الحضري، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول الجهة التي اقترحت المبادرة، وإنما حول مدى قدرتها على تحسين الخدمة العمومية والاستجابة للحاجيات الحقيقية للساكنة.
وبذلك، يصبح التصويت بالإيجاب في مثل هذه الملفات تصويتاً على مصلحة المواطن قبل أن يكون تصويتاً على موقف سياسي أو تدبيري.
لا شيك على بياض
غير أن دعم مبادرة النقل الحضري لا يعني بأي حال التخلي عن المراقبة أو المساءلة.
فالمرحلة المقبلة ستكون الأهم، لأن نجاح أي تصور جديد للنقل الحضري سيقاس بما سيقدمه على أرض الواقع، وليس فقط بما تمت المصادقة عليه داخل قاعة المجلس.
ومن هنا تبرز ضرورة أن تتم مواكبة هذا الملف بالشفافية اللازمة، واحترام القوانين والمساطر، وضمان الحكامة الجيدة في تدبير المال العام، وربط الالتزامات التعاقدية بالنتائج الفعلية التي ينتظرها المواطن.
فالساكنة لا تبحث فقط عن حافلات جديدة، وإنما تريد خدمة منتظمة، ومواعيد أكثر احتراماً، وحافلات في حالة جيدة، وشروط نقل تحفظ الكرامة، وتغطية تستجيب لمختلف أحياء المدينة والمناطق التي تعرف ضغطاً كبيراً على النقل.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لكل المتدخلين، من المجلس الجماعي والسلطات الإقليمية إلى الجهة والجهات المكلفة بالتدبير والتنفيذ.
سيدي صالح داحا.. مقاربة تضع المرافق الأساسية في الواجهة
وتعكس مبادرة عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا توجهاً يقوم على الدفع بالملفات ذات الارتباط المباشر بالحياة اليومية للمواطن إلى واجهة النقاش المؤسساتي.
فالنقل الحضري، إلى جانب قضايا البنيات التحتية والتأهيل الحضري والخدمات الأساسية، يشكل واحداً من الملفات التي لا تحتمل التأجيل، لأن آثار اختلالها تصل مباشرة إلى المواطن.
ومن هذه الزاوية، فإن تحريك ملف النقل الحضري داخل المؤسسات المنتخبة يمثل خطوة إيجابية، خصوصاً إذا ما أفضى إلى بناء منظومة نقل أكثر نجاعة واستجابة للتحولات التي تعرفها الجديدة.
كما أن تدخل السلطة الإقليمية في هذا النوع من الملفات لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تدخلاً في اختصاصات المؤسسات المنتخبة، بقدر ما يمكن أن يشكل، في إطار الاختصاصات القانونية والتنسيق المؤسساتي، عاملاً مساعداً على إيجاد حلول لملفات ذات طابع استراتيجي بالنسبة إلى المدينة والإقليم.
الجديدة تحتاج إلى حلول لا إلى صراعات
وفي نهاية المطاف، فإن ملف النقل الحضري يفرض على مختلف الفرقاء السياسيين والمؤسساتيين الانتقال من منطق التجاذب إلى منطق الحلول.
فالجديدة تحتاج إلى نقل حضري يليق بمكانتها وبساكنتها، وإلى خدمة عمومية تستجيب للحاجيات المتزايدة، وإلى تدبير يقوم على الحكامة والشفافية والنجاعة.
كما تحتاج إلى مجلس جماعي يمارس اختصاصاته ومسؤولياته، ومعارضة تقوم بدورها الرقابي دون تحويل كل ملف إلى مواجهة سياسية، وسلطات إقليمية تواصل مواكبة الملفات الكبرى التي تهم المواطنين.
وإذا كان التصويت بالإيجاب على مقترح إحداث الإطار المؤسساتي المرتبط بالنقل الحضري قد شكل خطوة أولى، فإن الرهان الحقيقي يبدأ من الآن: هل ستتحول هذه الخطوة إلى خدمة نقل فعالة، منتظمة، حديثة، وتحفظ كرامة المواطن؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة.
أما الرسالة التي حملتها دورة 3 شتنبر، فهي أن الاختلاف السياسي يمكن أن يستمر، لكن مصلحة المواطن يجب أن تبقى فوق الخلاف، وأن المعارضة حين تكون مسؤولة لا تعارض الحلول، بل تراقبها وتدافع عن جودة تنفيذها.
وفي ملف النقل الحضري تحديداً، تبدو المعادلة واضحة: نعم للخدمة العمومية، نعم لمصلحة المواطن، ونعم أيضاً للشفافية والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
