مطرح مولاي عبد الله يتحول إلى قنبلة بيئية.. الروائح وعصارة النفايات تثيران غضب سكان الجديدة
عاد ملف المطرح الإقليمي للنفايات بجماعة مولاي عبد الله إلى الواجهة، في ظل تصاعد شكاوى السكان والفعاليات الجمعوية من الوضع البيئي الذي أصبح يحيط بالمطرح، بعدما تحولت أكوام النفايات المتراكمة إلى مصدر دائم للروائح الكريهة ومخاوف متزايدة بشأن تأثيراتها على السكان والأراضي الفلاحية المجاورة.
ويقول عدد من سكان الدواوير المحاذية للمطرح إن الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، خصوصاً بعدما بلغ ارتفاع النفايات، وفق إفاداتهم، حوالي 22 متراً، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي أصبح يعرفه الموقع، الذي يستقبل نفايات عدد من الجماعات الترابية بالإقليم.
وتتركز أبرز شكاوى المتضررين حول الروائح المنبعثة من المطرح، ولا سيما تلك المرتبطة بعصارة النفايات، المعروفة بـ«الليكسفيا»، والتي تزداد حدتها خلال الفترة المسائية ومع هبوب الرياح. ويؤكد السكان أن هذه الروائح لم تعد مشكلة محصورة في محيط المطرح، وإنما أصبحت تصل إلى مناطق سكنية بعيدة، من بينها أحياء المطار والنجد والسلام وجوهرة والسعادة وكدية بن إدريس بمدينة الجديدة.
ويحذر المتضررون من أن استمرار الوضع على حاله قد تكون له انعكاسات بيئية وصحية خطيرة، خاصة في ظل المخاوف التي يثيرها احتمال تسرب عصارة النفايات إلى الأراضي الفلاحية أو الفرشة المائية. كما يطالب السكان السلطات المختصة بالتدخل العاجل للوقوف ميدانياً على الوضع، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للروائح والانبعاثات ومظاهر التلوث المحيطة بالمطرح.
ولا تتوقف المطالب عند معالجة الروائح، إذ يطرح الوضع الحالي للمطرح سؤالاً أكبر يتعلق بكيفية تدبير النفايات المنزلية بالإقليم برمته، ومدى قدرة الموقع الحالي على مواصلة استقبال الكميات المتزايدة من النفايات القادمة من الجديدة ومولاي عبد الله وأزمور، في ظل حديث المتضررين عن وصول المطرح إلى مرحلة بات معها استيعاب الشاحنات وكميات النفايات يشكل تحدياً متزايداً.
وتطالب فعاليات جمعوية وسكان الدواوير المجاورة بتدخل عامل إقليم الجديدة، باعتباره الجهة القادرة على الدفع نحو معالجة الملف بشكل استعجالي، كما تدعو إلى تسريع إخراج المخطط الجماعي لتدبير النفايات المنزلية والمشابهة لها، باعتباره إحدى الآليات الأساسية لتنظيم هذا القطاع وتحديد طبيعة النفايات وطرق جمعها وفرزها ومعالجتها والتخلص منها.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة أيضاً مقتضيات القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، خصوصاً ما يرتبط بضرورة اعتماد مقاربة منظمة لتدبير النفايات، بما في ذلك الفرز من المنبع والحد من الآثار البيئية والصحية الناتجة عن طرق جمع النفايات وطمرها.
لكن الأخطر في القضية، بحسب السكان، يبقى مرتبطاً بعصارة النفايات، التي أصبحت مصدر قلق متزايد، بالنظر إلى ما يمكن أن تسببه من أضرار بيئية إذا لم تتم معالجتها وفق المعايير التقنية والبيئية المعمول بها. ولذلك يطالب المتضررون بفتح نقاش جدي حول وضعية خزانات العصارة وطرق تدبيرها، ومدى استجابتها لحجم النفايات التي يستقبلها المطرح.
وتكشف الوثائق والمعطيات المرتبطة بتدبير المطرح أن الإشكال ليس وليد اليوم. فقد سبق للعامل السابق على إقليم الجديدة، محمد سمير الخمليشي، أن وجه مراسلة إلى رئيس جماعة مولاي عبد الله للاستفسار عن الوضعية التي أصبح عليها المطرح المراقب، وعن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة لمعالجة المشاكل المرتبطة به، خصوصاً بعدما بدأت هذه الوضعية تنعكس بشكل مباشر على تدبير قطاع النظافة بعدد من الجماعات الترابية بالإقليم.
وجاءت تلك المراسلة في سياق سبقته مراسلات أخرى مرتبطة بالترخيص لبرامج تتعلق بإحداث خزان لطمر النفايات، وكذا الترخيص الخاص بأشغال طمر النفايات، حيث طالبت السلطة الإقليمية الجماعة بموافاة مصالحها بالإجراءات والتدابير التي تم اتخاذها لتجاوز الإشكالات المسجلة.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، لأن جماعة مولاي عبد الله أصبحت تتولى تدبير المطرح بشكل مباشر منذ مغادرة شركة «سيجيديما» للموقع في 14 يوليوز 2023، وهو التحول الذي طرح منذ ذلك الحين تحديات جديدة على مستوى تدبير مرفق معقد تقنياً وبيئياً، ويستقبل نفايات عدد من الجماعات بالإقليم.
واللافت أن الإشكال يرتبط كذلك بالجانب المالي. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الجماعة توصلت بالدعم المخصص لعملية وضع النفايات وطمرها، كما تم تخصيص غلاف مالي قدره 14.83 مليون درهم لإحداث خزان جديد لهذا الغرض. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ماذا تحقق فعلياً بهذا التمويل؟ وهل كان كافياً لمعالجة الاختلالات التي يعرفها المطرح؟ وهل جرى استثمار الاعتمادات المرصودة بالشكل الذي يضمن سلامة السكان وحماية البيئة؟
كما أن استمرار الحديث عن عدم الإعلان عن صفقة لتدبير المطرح يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول النموذج الذي تعتمده الجماعة في تدبير هذا المرفق، وحول قدرتها التقنية واللوجستيكية على تحمل مسؤولية موقع يستقبل نفايات جماعات متعددة، في وقت تتزايد فيه الكميات وتتسع دائرة المتضررين من الروائح والانبعاثات.
وبين مطالب السكان بتدخل عاجل، ومخاوف الفعاليات الجمعوية من التأثيرات البيئية، والمعطيات السابقة التي دفعت السلطات الإقليمية إلى مراسلة الجماعة، يبدو أن المطرح الإقليمي للنفايات بمولاي عبد الله أصبح أمام اختبار حقيقي، ليس فقط بالنسبة للجماعة، وإنما بالنسبة لمنظومة تدبير النفايات بالإقليم ككل.
فالمطلوب اليوم، وفق ما يطالب به المتضررون، ليس تدبير الأزمة مؤقتاً أو الاكتفاء بإجراءات ظرفية، وإنما وضع حل مستدام يضمن معالجة العصارة، والحد من الروائح، ومراقبة تأثير المطرح على الأراضي والموارد المائية، وتأمين شروط السلامة البيئية، إلى جانب تحديد مستقبل الموقع وقدرته الاستيعابية.
وفي انتظار تحرك السلطات المختصة، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: إلى متى سيظل سكان الجديدة والدواوير المحيطة بالمطرح يؤدون ثمن أزمة تدبير النفايات؟ وهل تتحول المراسلات السابقة والاعتمادات المالية المرصودة إلى إجراءات ملموسة على الأرض، أم أن المطرح سيواصل تمدده حتى يصبح الوضع أكثر تعقيداً وكلفة على السكان والبيئة والجماعات المعنية؟
