نافورة مسرح عفيفي بالجديدة.. مشروع بمليار و200 مليون سنتيم يتحول إلى سؤال مفتوح حول الصيانة والتدبير
في قلب مدينة الجديدة، وأمام واحد من أبرز فضاءاتها الثقافية، تقف نافورة ساحة مسرح عفيفي شاهدة على واحد من أكثر الملفات التي أثارت، على مدى سنوات، تساؤلات الساكنة حول جدوى بعض مشاريع التهيئة الحضرية، ومدى قدرة الجماعة على ضمان استمرارية صيانتها واستغلالها بعد إنجازها.
فالنافورة التي كان يفترض أن تمنح ساحة مسرح عفيفي جمالية إضافية، وتساهم في تحسين المشهد الحضري بوسط المدينة، تحولت مع مرور السنوات إلى عنوان متكرر للإهمال والتوقف والأعطاب، بعدما أصبحت في فترات مختلفة خارج الخدمة، بل وتحول محيطها في بعض المراحل إلى فضاء متدهور لا ينسجم مع موقعها وسط المدينة.
وتعود بداية تشغيل نافورة ساحة مسرح عفيفي إلى صيف سنة 2015، في إطار مشروع لإعادة تهيئة الساحة بلغت كلفته الإجمالية، وفق معطيات منشورة محلياً، حوالي مليار و200 مليون سنتيم، أي 12 مليون درهم، وهو مبلغ لم يكن مخصصاً للنافورة وحدها، وإنما شمل أيضاً تهيئة الساحة والرصيف والإنارة العمومية.
وهنا تبرز نقطة أساسية في النقاش: الحديث عن «نافورة كلفت مئات الملايين» يحتاج إلى تدقيق، لأن المعطيات المتاحة لا تثبت أن النافورة وحدها كلفت هذا المبلغ، وإنما تشير إلى أن مشروع إعادة تهيئة ساحة مسرح عفيفي برمته كلف حوالي 1.2 مليار سنتيم.
لكن، في المقابل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً مطروحاً حول النجاعة والاستدامة: كيف يمكن لمشروع حضري بهذا الحجم أن يتحول بعد سنوات قليلة إلى منشأة تحتاج إلى تدخلات متكررة، وأن تجد الجماعة نفسها أمام إشكالات مرتبطة بالصيانة والتشغيل؟
وقد سبق أن نشرت وسائل إعلام محلية، في دجنبر 2022، أن نافورة مسرح عفيفي، إلى جانب نافورة أخرى وسط المدينة، توقفت عن العمل، وربطت مصادر محلية ذلك بانتهاء عقد الصيانة مع الشركة المكلفة، مع الإشارة إلى أن الجماعة لم تبادر، في حينه، إلى تمديد العقد أو تسريع إعداد دفتر تحملات جديد لإطلاق صفقة للصيانة.
ولم يكن ذلك أول ظهور للمشكل. فقد سبق أن أثيرت وضعية النافورة في سنوات سابقة، حيث تحدثت تقارير محلية عن توقفها وعن تدهور وضع بعض مكوناتها، كما نشرت وسائل إعلام محلية سنة 2021 تساؤلات حول كلفة النافورات الجديدة واستمرارية صيانتها، من بينها نافورة مسرح عفيفي التي ارتبطت بمشروع التهيئة المنجز سنة 2015.
وفي دجنبر 2022، ازدادت الانتقادات بعد تعرض النافورة للتخريب عقب الاحتفالات التي شهدتها ساحة مسرح عفيفي بمناسبة تأهل المنتخب الوطني إلى ربع نهائي كأس العالم بقطر، وهو ما أضاف عاملاً آخر إلى معادلة صيانة منشأة عمومية تحتاج بطبيعتها إلى المراقبة والحماية والتدخل المستمر.
واللافت أن النافورة عادت إلى الواجهة مرة أخرى خلال السنوات الأخيرة، إذ ظهرت منشورات محلية تتحدث عن إعادة تشغيلها في شتنبر 2024 بعد سنوات من التوقف، بينما استمرت لاحقاً الانتقادات المرتبطة بوضعها. كما نشرت وسائل إعلام محلية في شتنبر 2025 مواد تتساءل عن وضع النافورة وتحول المشروع إلى عبء بدل أن يكون عنصراً جمالياً في قلب المدينة.
وفي مارس 2026، تداولت صفحات محلية صوراً وتعليقات تنتقد حالة النافورة ومحيطها، بينما أفادت معطيات منشورة في شتنبر 2026 بانطلاق أشغال لإصلاح نافورة مسرح عفيفي بعد سنوات من الإهمال والتوقف. وهذا يعني أن الملف لم يعد يتعلق فقط بسؤال «لماذا توقفت؟»، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بكلفة الإصلاحات المتكررة وبمدى فعالية نموذج الصيانة المعتمد.
وهنا تحديداً يصبح النقاش أكبر من مجرد نافورة.
فالمشكل الحقيقي الذي يطرح نفسه أمام المجلس الجماعي للجديدة لا يتعلق فقط بعودة المياه إلى النافورة من عدمها، وإنما بكيفية تدبير المنشآت والمرافق التي يتم إنجازها بأموال عمومية. فالمشروع الحضري لا تنتهي مسؤوليته بمجرد تدشينه أو تشغيله لأول مرة، وإنما تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الصيانة الدورية، وتوفير قطع الغيار، وضمان التشغيل، وحماية التجهيزات، ورصد الاعتمادات اللازمة للحفاظ على المنشأة في الحالة التي أنجزت عليها.
وساحة مسرح عفيفي ليست فضاءً عادياً داخل الجديدة، فهي توجد في موقع مركزي يرتبط بواحد من أبرز المعالم الثقافية والفنية في المدينة. ولذلك فإن تدهور نافورة أو محيط الساحة ينعكس مباشرة على الصورة البصرية للمدينة، خصوصاً بالنسبة للزوار وسكان الجديدة الذين يمرون يومياً بهذا الموقع.
كما أن وضع النافورة يطرح سؤالاً أوسع حول فلسفة المشاريع الحضرية: هل المطلوب هو إنجاز مشاريع جديدة فقط، أم ضمان استمرارها في العمل لسنوات طويلة؟
فإنفاق المال العمومي على التهيئة يجب أن يقاس ليس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما أيضاً بمدى تحقيق المشروع للهدف الذي أنجز من أجله. وإذا كانت منشأة عمومية تتوقف بعد فترة، ثم تعود للعمل، ثم تتوقف مجدداً، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول كلفة الصيانة، وفعالية العقود، ومسؤولية الأطراف المتدخلة، وجودة التجهيزات، ومدى استباق الأعطاب قبل تفاقمها.
ومن هذه الزاوية، فإن النافورة أمام مسرح عفيفي أصبحت بالفعل رمزاً لمشكل أكبر: مشكل الانتقال من منطق إنجاز المشاريع إلى منطق تدبيرها والمحافظة عليها.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى مشاريع جميلة عند افتتاحها، وإنما تحتاج إلى منشآت تظل جميلة وفعالة بعد خمس وعشر سنوات وأكثر.
وبالنسبة للمجلس الجماعي للجديدة، فإن الملف يطرح عدداً من الأسئلة التي تستحق أجوبة واضحة أمام الرأي العام المحلي: ما هي الكلفة الدقيقة للأشغال التي أنجزت في ساحة مسرح عفيفي؟ وما هي حصة النافورة من المشروع؟ وما هي كلفة الصيانة منذ تشغيلها؟ وما طبيعة العقود التي أبرمت لهذا الغرض؟ ولماذا توقفت عن العمل في مراحل سابقة؟ وما هي الكلفة الجديدة للإصلاح الجاري أو المنجز؟ ومن يتحمل مسؤولية ضمان استمرارية تشغيلها مستقبلاً؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة وجود اختلال مالي أو إداري، ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بذلك، لكنها أسئلة مشروعة في إطار حق المواطن في معرفة كيفية تدبير المرافق والمنشآت العمومية.
وفي النهاية، قد تكون إعادة تشغيل نافورة مسرح عفيفي خطوة إيجابية، لكنها لن تكون كافية إذا عادت المشكلة نفسها بعد أشهر أو سنوات قليلة.
فالجديدة تحتاج إلى سياسة واضحة لصيانة فضاءاتها العمومية، وليس إلى إصلاحات متقطعة كلما تحولت منشأة إلى موضوع احتجاج أو انتقاد.
أما النافورة التي كان يفترض أن تكون نقطة جمالية في قلب المدينة، فقد تحولت على مدى سنوات إلى ملف مفتوح يختبر قدرة التدبير الجماعي على الحفاظ على ما تم إنجازه بالمال العام.
والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط أن تعمل النافورة، وإنما أن تستمر في العمل.
