الجديدة بين دينامية التنمية وخطاب جمعوي يبحث عن الضجيج.. حان وقت النقد المسؤول
تعيش مدينة الجديدة وإقليمها خلال المرحلة الراهنة على وقع دينامية تنموية ومؤسساتية متسارعة، فرضتها طبيعة الأوراش المفتوحة وحجم المشاريع والاستحقاقات الوطنية التي باتت المدينة مطالبة بمواكبتها، في وقت ما تزال فيه بعض الأصوات الجمعوية تشتغل بمنطق قديم يقوم على تضخيم الاختلالات وتعميم الأحكام، بدل قراءة التحولات التي يعرفها الإقليم وتقديم النقد المبني على المعطيات والوثائق.
ومنذ تولي سيدي صالح داحا مسؤولية تدبير شؤون إقليم الجديدة، برز حضور ميداني متواصل للسلطات الإقليمية في عدد من الملفات، مع تكثيف تتبع الأوراش والمشاريع والتنسيق بين مختلف المصالح والمؤسسات، في محاولة لمواكبة حاجيات مدينة وإقليم يعرفان توسعاً عمرانياً وديموغرافياً واقتصادياً متزايداً.
والحديث عن الجديدة اليوم لا يمكن أن يظل محصوراً في بعض المشاكل اليومية، مهما كانت أهميتها، لأن الإقليم يعيش تحولات أوسع بكثير، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الاستثمار أو تأهيل المجال الحضري أو تعزيز جاذبية المدينة أو مواكبة المشاريع ذات البعد الوطني والجهوي.
وفي أقل من سنة، وجدت الجديدة نفسها أمام عدد من المحطات الوطنية الكبرى التي تطلبت تعبئة مؤسساتية وأمنية وإدارية كبيرة، وهو ما فرض على السلطات الإقليمية وباقي المتدخلين العمل بوتيرة مختلفة، والاستعداد لمواعيد واستحقاقات لا تسمح بهامش كبير للارتجال.
وهذه الدينامية تستحق أن تكون موضوع تقييم حقيقي، لا أن تختزل في خطاب جمعوي يصر على البحث عن النقط السوداء فقط، وكأن المدينة لا تعرف أي تحول أو مشروع أو ورش.
النقد مطلوب.. لكن ليس بهذا الشكل
لا أحد يقول إن الجديدة أصبحت مدينة مثالية، ولا يمكن لأي مسؤول أن يدعي أن جميع مشاكلها انتهت. فما زالت هناك تحديات مرتبطة بالنقل والنظافة والإنارة والطرق والتطهير والماء والمدارس والخدمات الإدارية وغيرها، وهي ملفات تحتاج إلى التتبع والمساءلة والتقييم المستمر.
لكن المجتمع المدني الجاد لا يكتفي بتعداد المشاكل.
فوظيفة الجمعيات ليست فقط البحث عن الأخطاء، ولا تحويل كل عطب أو تأخر أو مشكل إداري إلى قضية كبرى، وإنما يفترض أن تكون شريكاً في تشخيص الإشكالات واقتراح الحلول ومراقبة السياسات العمومية وفق منهجية واضحة.
أما أن يتحول العمل الجمعوي إلى بيانات متكررة وشعارات جاهزة واتهامات عامة، فإن ذلك لا يقدم خدمة حقيقية للمواطن.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأصوات الجمعوية تتعامل مع المدينة وكأنها تعيش حالة من الجمود الكامل، متجاهلة حجم الأوراش والتحولات التي عرفتها خلال الفترة الأخيرة.
هل يعقل أن يتم تجاهل كل ما أنجز، وكل ما هو قيد الإنجاز، والتركيز فقط على كل ما لم يكتمل بعد؟
المدينة لا تبنى بالشعارات
الجديدة تحتاج اليوم إلى خطاب مدني جديد.
تحتاج إلى جمعيات تعرف كيف تقرأ المشاريع، وتفهم المساطر، وتطلع على الميزانيات، وتتتبع الصفقات، وتطرح أسئلة دقيقة حول آجال الإنجاز والكلفة والجودة، وتقدم للرأي العام معطيات يمكن التحقق منها.
أما إطلاق اتهامات من قبيل المحسوبية والزبونية والتلاعب بالمال العام دون تقديم الوثائق والأدلة، فهو لا يندرج في إطار المراقبة الجادة، بل يمكن أن يتحول إلى مجرد استهلاك إعلامي.
ومن يريد حماية المال العام فعلاً، عليه أن يحمي أيضاً النقاش العمومي من التضليل والمبالغة.
فالمال العام لا تتم حمايته بالضجيج، وإنما بالمعلومة، والوثيقة، والمراقبة، والمساطر القانونية، وإحالة الاختلالات المثبتة على الجهات المختصة.
ومن يريد محاربة الفساد فعليه أن يقدم الملفات والمعطيات، لا أن يكتفي بالاتهامات.
ومن يريد الدفاع عن المواطن فعليه أن يساعده على الوصول إلى الحل، لا أن يستثمر في استمرار المشكلة.
الجديدة تغيرت.. وعلى بعض الجمعيات أن تغير أدواتها
المشكل الحقيقي اليوم هو أن بعض الفاعلين الجمعويين ما زالوا يتعاملون مع الجديدة بعقلية مرحلة سابقة، في حين أن المدينة نفسها دخلت مرحلة جديدة.
لقد ارتفع حجم المشاريع، وتعددت المؤسسات المتدخلة، وأصبحت الرهانات الاقتصادية والسياحية والاستثمارية والبنية التحتية أكثر تعقيداً، كما أصبحت الجديدة مطالبة بالاستعداد لاستحقاقات وطنية كبرى.
وهذا يتطلب مجتمعاً مدنياً أكثر نضجاً وكفاءة.
جمعيات لا تكتفي بالتشكي، بل تراقب.
لا تكتفي بالاتهام، بل تقدم الدليل.
لا تبحث عن الصورة، بل عن النتيجة.
لا تستثمر في «البوز»، بل في المعلومة.
ولا تعتبر كل مشروع فرصة للهجوم، بل تضعه تحت المجهر منذ إطلاقه إلى حين اكتماله.
عامل الإقليم.. دينامية ميدانية تحتاج إلى مواكبة
ومن الإنصاف كذلك تسجيل أن تدبير إقليم الجديدة خلال المرحلة الحالية لم يعد قائماً فقط على العمل الإداري داخل المكاتب، بل أصبح الحضور الميداني وتتبع الملفات جزءاً أساسياً من طريقة الاشتغال.
ويبرز سيدي صالح داحا في هذا السياق باعتباره المسؤول الترابي الأول عن الإقليم، في مرحلة تتطلب تنسيقاً مستمراً بين مختلف المصالح، ومواكبة الأوراش، والتعامل مع الملفات المستعجلة، وضمان جاهزية المدينة لمواعيد وطنية كبرى.
وإذا كانت هناك اختلالات أو تأخرات في بعض المشاريع، فإن ذلك لا يلغي حقيقة وجود دينامية تنموية ومؤسساتية تستحق التقييم الموضوعي.
كما أن الاعتراف بهذه الدينامية لا يعني التخلي عن المراقبة، بل يعني ممارسة المراقبة بشكل أكثر مهنية.
وهنا تحديداً يفترض أن يكون دور الجمعيات قوياً.
ليس دورها أن تكون مع السلطات أو ضدها بشكل آلي، وإنما أن تكون مع المصلحة العامة.
المجتمع المدني ليس حزباً سياسياً
المجتمع المدني يفقد جزءاً من قيمته عندما يتحول إلى طرف سياسي غير معلن، أو عندما تصبح مواقفه محكومة بمنطق الاصطفاف والحسابات الشخصية.
الجمعية التي تريد أن تحظى بثقة المواطنين مطالبة بأن تكون مستقلة في مواقفها، دقيقة في معلوماتها، واضحة في مطالبها، ومستعدة لتحمل مسؤولية ما تنشره وتصرح به.
أما استعمال الملفات الاجتماعية والخدماتية كوسيلة دائمة لصناعة الحضور الإعلامي، فإنه لن يؤدي في النهاية إلا إلى إنهاك الخطاب الجمعوي وفقدان الثقة فيه.
الجديدة لا تحتاج إلى جمعيات تصنع الضجيج، وإنما إلى جمعيات تصنع القيمة.
تحتاج إلى جمعيات تستطيع أن تقول للمسؤول: هذا المشروع تأخر، وهذه الصفقة تحتاج إلى توضيح، وهذه الخدمة لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وهذه الوثيقة تكشف خللاً، وهذا المقترح يمكن أن يحل المشكلة.
ذلك هو النقد الذي تحتاجه المدينة.
أما النقد الذي يبدأ وينتهي بالشعارات والبيانات والاتهامات العامة، فإنه مع مرور الوقت يصبح خطاباً مستهلكاً، مهما ارتفع صوته.
الجديدة اليوم أمام فرصة حقيقية لترسيخ نموذج جديد في التنمية والتدبير، لكن نجاح هذه المرحلة يتطلب أيضاً تحديث أدوات المراقبة المدنية.
فالسلطات مطالبة بالعمل والإنجاز، والمنتخبون مطالبون بالمساءلة أمام المواطنين، والمجتمع المدني مطالب بدوره بالمسؤولية.
وفي مدينة تتحرك بوتيرة متسارعة، لم يعد مقبولاً أن يبقى بعض الخطاب الجمعوي أسيراً لثقافة «كل شيء سيئ»، ولا أن تتحول المشاكل الطبيعية التي ترافق أي ورش تنموي إلى مادة دائمة للاستهلاك الإعلامي.
الجديدة تحتاج إلى النقد، نعم.
لكنها تحتاج قبل ذلك إلى نقد مسؤول، موثق، شجاع، ومستقل.
أما الجمعيات التي تجعل من «البوز» هدفاً ومن الضجيج وسيلة، فقد حان الوقت لكي تدرك أن المجتمع تغير، وأن المواطن أصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يريد فعلاً إصلاح المدينة، ومن يريد فقط أن يظهر وهو ينتقدها.
