إلى أين يسير إقليم الجديدة؟ تحديات التنمية ودور عامل الإقليم سيدي صالح داحا في تعزيز الاستقرار المحلي
يعد إقليم الجديدة من الأقاليم الاستراتيجية في جهة الدار البيضاء‑سطات، تجمع بين التاريخ العريق، والموقع الجغرافي المتميز على ساحل الأطلسي، والقدرات الاقتصادية المتعددة في مجالات الصناعة، الفلاحة والسياحة. الإقليم الذي يضم أكثر من 900 ألف نسمة وفق آخر تقديرات رسمية، يشكل نقطة وصل بين الماضي الساحلي والحاضر التنموي والطموح المستقبلي، ما يجعل قضاياه وتحدياته في مركز الاهتمام العام والسياسي في المغرب.
بنية اقتصادية متعددة ومسؤولية التنمية
التنوع الاقتصادي الذي يميّز إقليم الجديدة يجمع بين الصناعة الثقيلة والنقل البحري عبر ميناء الجرف الأصفر، والزراعة المنتجة على الأراضي الخصبة، والشواطئ والسياحة الثقافية والتاريخية، حيث باتت مدينة الجديدة ومحيطها قبلة للسياح الباحثين عن التراث والساحل. إلا أن هذا التنوع يتطلب تنمية متوازنة ومستمرة تعالج الفوارق بين المناطق الحضرية والريفية، وتحقق استفادة الجميع من الموارد المتاحة.
لكن على الرغم من الإمكانات، يبقى التحدي الأكبر هو ترجمة هذه المقومات إلى مشاريع تنموية واقعية ومستدامة تُحسّن جودة الحياة للمواطنين وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتشغيل.
لحظة مفصلية: انتداب سيدي صالح داحا وتوجه جديد
مع تنصيبه كعامل جديد لإقليم الجديدة، دخل سيدي صالح داحا مرحلة مفصلية من الالتزام بتفعيل “التوجيهات الملكية” في مجال التنمية المحلية، مستنداً إلى منهجية تشاركية وتواصلية مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين والمواطنين. وفي أقل من شهرين على توليه مهامه، احتضنت عمالة الإقليم لقاءً تشاورياً حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بمشاركة واسعة للمنتخبين والمسؤولين والقطاع الخاص، وهو ما مثّل بداية لتحديد أولويات تنموية استراتيجية تشمل التعليم، الصحة، التشغيل، الموارد المائية، والخدمات الأساسية.
هذا اللقاء لم يكن جلسة بروتوكولية فحسب، بل محاولة عملية لتحديد خارطة طريق تنموية واضحة ترسم الأهداف الكبرى للإقليم في السنوات القادمة، مع اعتماد آليات تشخيص دقيقة وتحليل مشترك للإكراهات، ما يجعل عملية التنمية أكثر شفافية وأقل نزوعاً إلى المشاريع المعزولة دون منطق ترابطي.
مشاريع تنموية واقعية تستجيب لاحتياجات الساكنة
على مستوى المشاريع، أخذت دينامية جديدة شكلها بالفعل، بعدما صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية على أكثر من 112 مشروعاً تنموياً بقيمة مالية تقارب 50 مليون درهم، موجهة خصيصاً لتقليص الفوارق في البنى التحتية والخدمات الأساسية بالمناطق الأقل تجهيزا، وهو مؤشر مهم على الانطلاقة الفعلية لسياسة تنموية موسعة.
كما كشف نشاط عامل الإقليم في الساحة المحلية عن تنظيم فعاليات قوية تجمع التنمية بالثقافة والموروث، إذ أشرف على إعطاء انطلاقة مشاريع تنموية وإطلاق مهرجان الموروث الثقافي في جماعة الحوزية، ما يعكس رؤية شمولية تمتد إلى تعزيز الهوية الثقافية المحلية، معتبرة الثقافة جزءاً لا يتجزأ من التنمية الاقتصادية والسياحية.
بجانب ذلك، عرف الإقليم عدة مبادرات لصالح الطبقة الاجتماعية الضعيفة والفئات الهشة، خاصة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي دعمت برامج الرعاية لفئة المسنين، بتوفير تجهيزات ومرافق تساعد على تحسين ظروفهم اليومية.
رؤية استراتيجية: مواجهة الخصاص وتجديد الخطاب التنموي
يمكن القول إن التحرك الذي يقوده سيدي صالح داحا اليوم يضع منظومة تنموية متكاملة في صلب أولويات تدبير الإقليم، بعيداً عن المشاريع الجزئية المنفصلة، ومقترباً من مقاربة تشاركية ترتكز على التشاور، الإصغاء، والتحليل الموضوعي قبل اتخاذ القرارات وتوجيه الميزانيات. إن التركيز على شبكات التعليم والصحة وتكوين القوى العاملة وربطها بالفرص الاستثمارية والاقتصادية يعكس فهمًا عميقًا للدينامية التي يحتاجها الإقليم ليكون قادراً على ضمان فرص الشغل وتحسين مستوى المعيشة لسكانه.
الرهان اليوم في إقليم الجديدة لا يقتصر فقط على مدى تنفيذ المشاريع، بل في كيفية إدارة هذه المشاريع بالشكل الذي يضمن الاستدامة والتماسك المجالي بين مناطق الإقليم المختلفة، ما يتطلب قدرات تنفيذية قوية، حواراً مجتمعياً دائماً، وربطاً فعالاً بين مختلف المتدخلين من قطاع عام، قطاع خاص ومجتمع مدني.
إلى أين يسير إقليم الجديدة؟
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن إقليم الجديدة يقف عند مفترق طرق حقيقي، بين إرث اقتصادي وثقافي هام، وبين التحديات التنموية التي تتطلب رؤية واضحة وتطبيقاً واقعياً على الأرض. وفي هذا السياق، يمثل تدخّل عامل الإقليم سيدي صالح داحا نقلة نوعية في مقاربة التنمية الترابية، مع تركيز على التشاور والتخطيط الممنهج، وليس فقط على المشاريع المُعلنة.
إذا استطاعت السلطات المحلية، تحت قيادة داحا، أن تستمر في تطوير برامج تنموية متكاملة تشرك كل الفاعلين وتستهدف تقليص الفوارق وتحسين الخدمات، فإن إقليم الجديدة سيكون نموذجاً مشرّفاً في الحوكمة المحلية والتنمية المستدامة في المغرب، ليس فقط من حيث حجم المشاريع بل من حيث روح المشاركة والعدالة المجالية بين سكان الإقليم.
