الذكرى السبعون لعيد الاستقلال… مسار تحرر وطني وصناعة دولة حديثة

img_8655-1-1024x867

استعادة الوطن… محمد الخامس ومعركة الحرية

تُشكّل الذكرى السبعون لعيد الاستقلال مناسبة وطنية تستعيد فيها البلاد واحدة من أبرز محطاتها التاريخية، حين وقف المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، شامخاً في مواجهة الاستعمار، رابطاً بين إرادة الشعب وحلم التحرر. لم يكن الاستقلال حدثاً سياسياً فقط، بل مساراً طويلاً من الصمود، تجسد في وحدة الصف الوطني، وارتباط المغاربة بعرشهم. وعندما عاد محمد الخامس إلى أرض الوطن سنة 1955، أعلن بداية مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة الوطنية واسترجاع السيادة. لقد أسس الملك الراحل لمسار سياسي وطني متماسك، جعل من الاستقلال نقطة انطلاق لمشروع كبير، لا مجرد محطة انتهت بتحقيق التحرر السياسي.

مرحلة البناء… الحسن الثاني وتثبيت أسس الدولة الوطنية

بعد الاستقلال، برزت تحديات بناء الدولة وتثبيت مؤسساتها، وهو ما قاده المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي نقل البلاد من مرحلة التحرر إلى مرحلة التنظيم والتحديث المؤسّساتي. فقد وضع اللبنات الأولى للدستور المغربي، وأسس برلماناً وطنياً، وأعاد تنظيم الإدارة العمومية، كما أطلق مشاريع كبرى في البنيات الأساسية، خاصة سياسة السدود التي تحولت إلى رافعة اقتصادية واجتماعية. وبفضل هذه الرؤية، تمكن المغرب من ترسيخ نظامه المؤسساتي، وخلق توازنات داخلية ضرورية لمواصلة بناء الدولة الحديثة. لقد مثّل عهد الحسن الثاني حلقة مركزية بين التحرير والتحديث، حيث استظل المغرب باستقرار سياسي، مكّنه من مواجهة تحولات المنطقة والعالم بثبات وثقة.

مغرب اليوم… محمد السادس وتحديث الدولة ومواصلة مسيرة البناء

مع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، دخل المغرب مرحلة جديدة من التطور المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، عنوانها توسيع مكتسبات الاستقلال وتعميق مسيرة البناء. فقد أطلق جلالته إصلاحات كبرى شملت مجالات العدالة، والحكامة، والحقوق والحريات، إلى جانب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي قدمت نموذجاً غير مسبوق في سياسات محاربة الهشاشة والفقر. كما شهد المغرب في هذا العهد تحولاً بنيوياً في البنيات التحتية من خلال توسعة الشبكات الطرقية، وتطوير الموانئ والمطارات، وخلق مناطق صناعية جديدة، إضافة إلى إطلاق مشاريع استراتيجية في الطاقات المتجددة التي جعلت المملكة فاعلاً قارياً في هذا المجال. وعلى مستوى العلاقات الخارجية، عزز المغرب حضوره الدولي وأعاد بناء جسور التعاون جنوب–جنوب، خصوصاً مع إفريقيا.

وبهذه الدينامية، تتواصل اليوم مسيرة التحرير في بعدها الثاني: التحرر التنموي والاقتصادي وتثبيت مكانة المغرب الدولية، بما يضمن للمواطن المغربي الاستفادة من ثمار التقدم، وللوطن تعزيز موقعه كقوة صاعدة في محيطه الإقليمي.

ذكرى متجددة… وطن يستحضر تاريخه ويواصل صناعة مستقبله

الاحتفال بهذه الذكرى الوطنية هو استحضار لمسار كامل صنعه المغاربة عبر عقود، عنوانه الوفاء للوطن، والتشبث بثوابت الأمة، والارتباط المتين بين العرش والشعب. فمن محمد الخامس محرر البلاد، إلى الحسن الثاني باني الدولة، إلى محمد السادس مهندس التنمية والتحديث، تتشكل مسيرة وطنية متراصة تؤكد أن المغرب استعاد استقلاله ليبني دولة، ويطوّر مؤسساته، ويضمن لأبنائه مكانة تليق بتاريخهم وإمكاناتهم.

هكذا تمثل الذكرى السبعون لعيد الاستقلال لحظة تجمع بين الذاكرة والمستقبل، وتقدم نموذجاً لتاريخ وطني مستمر، يواصل المغرب كتابته اليوم بثقة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

About The Author