الزواكة في الجديدة: أيقونة زمنية تربط الماضي بالحاضر الرمضاني

639937378_1357447466400184_5061675993505051354_n

مرت أجيال كثيرة من ساكنة الجديدة على صوت الزواكة، تلك الآلة التي كانت رمزًا للمدينة وتاريخها، إلا أن شهر رمضان الحالي شهد توقف هذه الإشارة الرمضانية العريقة، ما أعاد إلى الأذهان دورها الاجتماعي والثقافي عبر عقود من الزمن.

الزواكة: إرث الحماية الفرنسية وتحولات التاريخ

حجزت الزواكة لنفسها مكانًا شامخًا على سطح المسرح البلدي إبان فترة الحماية الفرنسية على المغرب، وتحديدًا قبيل سنة 1939، في وقت كان العالم يستعد لحرب عالمية جديدة. كانت السلطات الفرنسية تسعى لتجهيز مستعمراتها بوسائل إنذار، فكان نصيب الجديدة جهاز إنذار أطلق عليه الأهالي اسم “الزواكة”، وهي كلمة على ما يبدو مشتقة من الصوت الذي تصدره البقرة، وصُوّر لاحقًا على أنه “تزواك”.

وبعد استقلال المغرب، لم تعد الزواكة تُستخدم للتنبيه من الحرب، بل أعادت المصالح البلدية وظيفتها إلى خدمة الناس في حياتهم اليومية، حيث أصبح صوتها مؤشرًا على حلول شهر رمضان، يعلن عن موعد الإفطار ونهاية السحور، وأيضًا حلول عيد الفطر.

رمضان وصوت الزواكة: حضور وجداني

لطالما اعتاد الجديديون على أن يصغوا إلى الزواكة قبيل الإفطار، ويفتحوا نوافذ بيوتهم لتدخل أصواتها إلى البيوت، حاملة معها حمولة وجدانية وروحانية تعكس تماسك المجتمع المحلي حول العادات الرمضانية. كانت الزواكة صوت المدينة الموحد، يربط بين الناس ويخلق إحساسًا بالتوقيت الموحد داخل المدينة، ويعلم الأطفال والكبار الانضباط بساعات اليوم الرمضاني.

الزواكة والتوسع العمراني: تحديات الحداثة

ظل صوت الزواكة مسموعًا في كل أرجاء الجديدة حتى سنة 1985، عندما بدأت المدينة في التوسع العمراني نحو أحياء السعادة وسانية المراقب، ما قلل من انتشار الصوت وتجاوزه نطاقه التاريخي. عندها اضطرت البلدية لإضافة زواكة ثانية فوق سطح سوق بير إبراهيم، لضمان استمرار إشاراتها الرمضانية في جميع أنحاء المدينة.

لكن اليوم، ومع مرور ثلاثة أيام من شهر رمضان، ما زال صوت الزواكة غائبًا، ما يثير مشاعر الحنين والجدانية لدى أهل الجديدة، ويطرح تساؤلات حول الحفاظ على الموروث الثقافي الذي يشكل جزءًا من هوية المدينة.

الزواكة بين الماضي والحاضر

تظل الزواكة، بما حملته من رمزية وجدانية واجتماعية، شاهدة على عراقة المدينة وذكريات سكانها. كانت تطلق صياحها في عنان السماء عند الساعة 12 زوالًا من كل يوم خميس، لتوحد ساعات الجميع، وتعطي إيقاعًا لحياة المدينة اليومية، خصوصًا خلال شهر رمضان.

لقد شكلت الزواكة أداة للتربية على الانضباط والانتظام، ومن خلال سماعها تعلم الأطفال ترتيب أوقاتهم، وضبط مواعيدهم اليومية، فيما أصبح الكبار مرتبطين بها كجزء من هوية المدينة الثقافية والاجتماعية.

النداء للحفاظ على الموروث الرمضاني

غياب الزواكة في هذا الشهر الفضيل، وسط التحولات العمرانية الحديثة والتوسع الحضري، يفرض إعادة النظر في استراتيجية الحفاظ على الموروث الثقافي للمدينة. فهي ليست مجرد جهاز إنذار أو ساعة، بل رمز لهوية جديدة متصلة بتاريخها، ووعاء لذكريات الأجيال السابقة.

إن استعادة صوت الزواكة، أو الحفاظ عليها في أحياء الجديدة الحديثة، يمثل ربطًا بين الماضي والحاضر، وتعليمًا للأجيال الجديدة على الانضباط وروح المجتمع الرمضاني، بما يعكس تاريخ المدينة وتراثها الثقافي والاجتماعي.

 الزواكة وتلك الأيام

الزواكة، أيقونة مدينة الجديدة، تمثل جزءًا من الهوية الجماعية والذاكرة الرمضانية، وما زال صداها يعيش في نفوس أهل المدينة الذين يتذكرون كيف كانت تطلق صياحها في السماء لتعلن عن لحظات الإفطار والسحور. وكما يقول الأهالي: “وتلك أيام نداولها بين الناس”، لتبقى الزواكة شاهدة على زمن مضى، ودرسًا في الانضباط والروح المجتمعية، وسط التحولات الحديثة التي تعرفها المدينة اليوم.

About The Author