المخيم الدولي بالجديدة بين وعود الاستثمار وشبح الإفلاس التدبيري: عندما تتحوّل الوعود إلى أطلال

628433667_1343758117769119_372829168625081471_n

تواصل مدينة الجديدة معاناتها من أزمة هيكلية في البنية السياحية بعدما ظل “المخيم الدولي” مغلقًا بلا مبرر واضح، في مشهد يؤشر على اختلالات في التدبير والتنفيذ، ويضع علامة استفهام كبرى حول مدى قدرة الجهات المكلفة على حماية المال العام وضمان فعالية الشراكات الاستثمارية.

كان المخيم الدولي عند افتتاحه قبلة للزوار والسياح، وواجهة مشرفة لمدينة تعتبر من أهم الوجهات البحرية على الساحل الأطلسي، لكنه سرعان ما تحوّل إلى رمز للوعود المعلّقة والفرص الضائعة. ففي عام 2025، أعلن فوز شركة محلية بصفقة كراء هذا المرفق الاستراتيجي مقابل سومة كرائية سنوية تقدر بـ 261 مليون سنتيم، مع تعهدات باستثمارات كبيرة قيمتها 2.5 مليار سنتيم لإعادة تأهيل المرافق وتحديثها وتجهيزها لتكون في مستوى تطلعات الساكنة والسياح على حد سواء.

لكن تلك الأرقام الكبيرة سرعان ما انقلبت إلى حبر على ورق. فخلال دورة فبراير الأخيرة للمجلس الجماعي للجديدة، كشف رئيس الجماعة الحضرية بوضوح أن الشركة المتعاقدة تأخّرت في أداء مستحقات الكراء ولم تفعّل بنود الاستثمار المنصوص عليها في دفتر التحملات، مما جعله يقرّ بوجود تعطيل شبه كامل للمشروع منذ توقيع العقد.

ووفق ما يتضمنه عقد الكراء النهائي الموقّع بتاريخ 29 أبريل 2025 بين الجماعة والشركة الفائزة، فإن دفتر التحملات ألزم الشركة بـ فتح أبواب المخيم الدولي في وجه العموم والسياح في أجل لا يتعدّى ستة أشهر من تاريخ التوقيع، وهو شرط لم تتم تلبيته حتى تاريخ إعداد هذا المقال. هذا التأخير المتواصل أثار استياء مواطنين ومهنيين في القطاع السياحي، الذين رأوا في هذا التقاعس هدرًا للفرص الاستثمارية والمالية التي كانت من الممكن أن تعيد للنسيج الاقتصادي المحلي جزءًا مهمًا من عافيته.

تكشف المعاينة الميدانية للمخيم الدولي، في ظل إغلاقه المستمر، أن العشرات من السياح الأجانب ومالكي “الكرفانات” وجدوا أنفسهم أمام أبواب موصدة، مما دفع العديد منهم إلى التوّجه نحو الأحياء المجاورة، ولا سيما الحي البرتغالي المصنّف تراثًا عالميًا، والسواحل والشواطئ المفتوحة، حيث تنتشر المخيمات العشوائية التي تفتقر لأبسط شروط التنظيم والكرامة. هذا التحوّل في السلوك السياحي لا يسيء فقط إلى الصورة التي تريد المدينة تقديمها على المستوى الدولي، بل يحرمها من عملات صعبة وفرص شغل حقيقية, خصوصًا في فصل الذروة السياحية.

إن ما يحدث يطرح أسئلة تتجاوز حدود مجرد تأخر تنفيذ مشروع استثماري واحد، ليصل إلى جوهر السياسة العمومية في التعامل مع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وأيضاً إلى مدى فعالية الأجهزة المسيرة في حماية المال العام من الهدر الزمني والإداري. فالتهديد بالإنذار وفسخ العقد لم يعد كافياً أمام حجم الضرر المتراكم الذي يعيشه هذا المرفق الحيوي، وقد بات لزامًا الحسم في هذا الملف بشكل فوري لإيقاف حالة “الاحتجاز” التي يعيشها المخيم الدولي، وإعادة الثقة في قدرة المدينة على إدارة مشاريع كبرى.

فمدينة الجديدة، التي لطالما كانت منارة سياحية على خريطة المغرب، لم تعد تحتمل مزيدًا من الصفقات المتعثرة والوعود غير المفعّلة، تلك التي ترهن مستقبلها السياحي لمستثمرين عجزوا عن الوفاء بالتزاماتهم، بينما تبقى الجماعة تنتظر تطبيق الشروط القانونية الواردة في العقد، والتي تنص على أن رئاسة المجلس الجماعي ملزمة باتخاذ قرار فسخ عقد الكراء دون إرجاع الضمانة (la caution) المقدرة بمليون درهم، طبقًا للفصلين 8 و34 من عقد الكراء، في حال استمرار الشركة في عدم الالتزام بفتح المخيم في الأجل المحدد.

تلك البنود القانونية لم تُفعّل بعد، وهو ما يعمّق الجدل حول قدرة المجلس الجماعي على فرض احترام القانون، وضمان حقوق المواطنين، في وقت يتطلب فيه المشهد السياحي الوطني حسماً في التنفيذ، وشجاعة في اتخاذ القرارات الصائبة، بدل الترجيح المطوّل للوعود التي تتحوّل إلى أطلال أمام عيون من كانوا ينتظرون استعادة بريق المدينة العتيق وسحرها الساحلي.

إن المشهد الحالي للمخيم الدولي ليس فقط صدى لتعثر مشروع منفرد، بل يعكس أزمة أوسع في سياسات التسيير والتنمية المحلية، وفي كيفية جعل الوعود الاستثمارية تتحول إلى واقع ملموس، ينعش الاقتصاد، ويوفّر فرص عمل، ويستعيد مكانة الجديدة كمقصد يحترمه السائح والمواطن على حد سواء

About The Author