المغرب بعد الفيضانات: العودة التدريجية للساكنة واستمرار الجهود لإنعاش المناطق المتضررة

Capture d’écran 2026-02-15 110538

خاض المغرب خلال الأسابيع الماضية تجربة قاسية على مستوى الظروف المناخية، مع هطول أمطار استثنائية أدّت إلى فيضانات وسيول في عدة مناطق شمالية وغربية من البلاد، تسببت في أضرار واسعة وإجلاء عشرات الآلاف من السكان. ومع تحسّن الأحوال الجوية في الأيام الأخيرة، بدأت السلطات المغربية في تنفيذ مرحلة العودة التدريجية للساكنة إلى منازلها، من أجل استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.

عودة تدريجية للسكان بعد تحسن الوضع

أعلنت وزارة الداخلية المغربية عن بدء تنفيذ خطة عودة منظّمة وآمنة لسكان المناطق التي تعرضت للفيضانات، وذلك في أقاليم العرائش (خصوصًا القصر الكبير)، القنيطرة، سيدي قاسم وسيدي سليمان بعد تحسن الأحوال الجوية واستقرار الوضع الميداني. تعود هذه الخطوة بعد أن تواصلت عمليات التنظيف، إزالة الركام، وصيانة الخدمات الأساسية في المناطق المعنية، على أن تتم العودة بشكل تدريجي وبما يضمن سلامة السكان واستعادة الخدمات العامة.

تمت مراعاة معاير السلامة في كل مرحلة، حيث بدأ تنظيف الشوارع والطرق، واستعادة شبكات الماء الصالح للشرب والكهرباء والاتصالات. كما تم تأهيل المرافق العامة وإعادة فتح الممرات المؤدية إلى الأحياء السكنية التي توقفت فيها الخدمات إثر الفيضانات.

إجلاءات ضخمة ومجهودات الإنقاذ الأولية

خلال ذروة الحدث، أجرت السلطات المغربية أكبر عملية إجلاء في المنطقة منذ سنوات، حيث تمت إزالة نحو 150 ألف شخص من منازلهم في الأقاليم الأكثر تضررًا، وذلك ضمن تدخلات وقائية لتأمين سلامة السكان في مواجهة مستوى المياه المرتفع بسبب السيول.

وقد استفاد السكان الذين تم إجلاؤهم من أماكن إيواء مؤقتة وتدخلات لوجستية لإبعادهم عن مخاطر الفيضانات، في حين استمرت فرق الأمن والدرك الملكي والقوات العمومية في عمليات المراقبة والدعم في الميدان لتأمين التغطية الشاملة.

تصنيف المناطق المتضررة وبرامج الدعم

أعلنت الحكومة عن تصنيف أربعة أقاليم كـ”مناطق منكوبة”، وهي: العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم وسيدي سليمان، في اعتراف رسمي بخطورة الأضرار والتحديات التي فرضتها الفيضانات على هذه المناطق.

وبناءً على ذلك، أطلقت السلطات برنامجًا واسع النطاق للدعم والمساعدة، يصل غلافه المالي إلى حوالي 3 مليارات درهم (ما يقارب 330 مليون دولار)، ويشمل هذا البرنامج عدة محاور رئيسية:

  • دعم إعادة الإسكان والتمكين المالي للأسر المتضررة.

  • مساعدات للمزارعين ومربي الماشية المتأثرين بالخسائر في الإنتاج الزراعي.

  • تحسين وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية مثل الطرق والمرافق المائية والزراعية.

  • مساعدة في إعادة بناء المنازل التي تضررت أو انهارت جدرانها.
    وقد جاء هذا البرنامج تنفيذاً لتعليمات ملكية من جلالة الملك محمد السادس بتعبئة جهود الدولة لمواجهة تداعيات هذا المنخفض الاستثنائي وتأمين الحياة الكريمة للساكنة المتضررة.

جهود السلطات والمؤسسات في الميدان

لم تكن جهود الدعم مقتصرة على المالية فقط، بل تضافرت جهود السلطات المحلية، والي القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية لتنظيم عمليات الإجلاء، وتوزيع المساعدات، وتأمين المواقع المتضررة، وتسهيل حركة المرور في المناطق التي شهدت فيضانات مفاجئة. كما تم اللجوء إلى الآليات الثقيلة والمروحيات لإجلاء العائلات من المناطق التي وصلتها المياه بشكل سريع، وإيصال الإغاثة إلى أصعب الأماكن.

وعملت لجان اليقظة المحلية على متابعة تطورات الوضع بشكل مستمر، ثم تقديم الخطط اللازمة لإعادة الحياة إلى طبيعتها في المناطق المتضررة، مما ساهم في تقليل أي تأثيرات أوسع على السكان.

حالة الطقس وتهيئة الظروف للعودة

ساهم تحسن الأحوال الجوية في الأيام الأخيرة في تسريع وتيرة الاستعدادات لعودة السكان إلى مساكنهم، بعد أن توقفت الأمطار الغزيرة وأتاحت الفرصة لاستكمال أعمال الصيانة والتنظيف بأمان، مما ساعد في تخفيف مخاطر المياه المتراكمة وضمان شروط العيش الآمن.

التعويضات والدعم المباشر للأسر

في إطار تنفيذ البرنامج الحكومي للدعم، تقرر تخصيص مساعدات مالية مباشرة للأسر المتضررة، تشمل مبالغ تختلف حسب نوع الأضرار التي لحقت بالمنازل والمحال الاقتصادية. وقد عبّرت الأسر عن ترحيبها بهذا الدعم في ظل الظروف الصعبة التي عاشتها، فيما التزمت السلطات بمواصلة تحديث قاعدة البيانات لعدد المتضررين وتوسيع نطاق المساندة حسب الاحتياجات.

أقاليم أخرى وتجارب متفرقة

بعض المناطق الأخرى، مثل إقليم تازة، شهدت أيضًا عمليات إجلاء لأسر نتيجة فيضانات محلية، ما يؤكد انتشار تأثيرات الأحوال الجوية في مناطق متعددة من المملكة، وإن كانت بمدى أقل مقارنة بالأقاليم الأربعة الأكثر تضرراً.

الاستفادة من الدروس وتطوير الاستعداد للمستقبل

على الرغم من أن هذه الفيضانات جاءت بعد موسم مطري غير مسبوق، إلا أنها أظهرت استعداد الدولة المغربية وتنسيقها بين مختلف الأجهزة لضمان حماية السكان وتخفيف الخسائر. فقد ركزت السلطات على المقاربة الوقائية والإنقاذ السريع والتدخل اللامركزي، ما ساعد في تقليص الخسائر البشرية والمادية.

في نهاية المطاف، تظهر تجربة الفيضانات في المغرب خلال شهر فبراير 2026 التحدي الكبير الذي فرضته الطبيعة على المجتمعات، لكنها في الوقت نفسه تكشف قدرة الدولة المغربية على التعبئة السريعة، التنظيم المحكم، والتجاوب مع الأزمات بكفاءة عالية. من عمليات الإجلاء الضخمة، إلى دعم الأسر المتضررة، مروراً بعودة السكان إلى منازلهم بشكل تدريجي، تبدو المعركة ضد آثار الفيضانات نموذجًا لصمود المجتمع والدولة معًا.

إن العمل المستمر لإعادة تأهيل البنى التحتية، وتعويض المتضررين، وإعداد الخطط المستقبلية لمواجهة احتماليات مناخية مشابهة يعكس التزام المغرب على مستوى المؤسسات، ويؤكد أن التغلب على تحديات الطبيعة يتطلب حكامة رشيدة وتنسيقاً وطنياً شاملاً.

About The Author