المهارزة الساحل… حين تتحول الجغرافيا إلى رهينة وسؤال المحاسبة يطارد “جبهة الصمت”

645567774_965239489170695_466930161419005452_n

على امتداد الشريط الأطلسي شمال إقليم الجديدة، تقف جماعة المهارزة الساحل اليوم عند منعطف حاسم. سقوط رئيس مجلسها الجماعي وإيداعه سجن سيدي موسى لم يكن سوى العنوان الأبرز في أزمة أعمق وأعقد. فالقضية، في نظر كثيرين من أبناء المنطقة، لا تختزل في مسؤولية فرد، بل تفتح الباب أمام مساءلة نمط تدبير كامل، ظل لسنوات يُراكم الأعطاب ويؤجل الانفجار.

المشهد الحالي يفرض سؤالاً جوهرياً: هل كان ما حدث زلة معزولة، أم نتيجة تراكمات طويلة من اختلالات في الحكامة والرقابة والمحاسبة؟

جغرافيا واعدة… وتنمية متعثرة

المهارزة الساحل ليست جماعة هامشية معزولة. فهي تقع على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من الدار البيضاء، وتضم ساكنة تناهز عشرين ألف نسمة وفق معطيات الإحصاء العام الأخير. تمتد على شريط ساحلي غني بالمؤهلات السياحية، وتحتضن جزءاً من المجال الغابوي المعروف محلياً بـ“غابة الشياظمة”، فضلاً عن مؤهلات فلاحية وبحرية معتبرة.

من الناحية النظرية، هذه المقومات كفيلة بجعل الجماعة قطباً سياحياً وبيئياً واستثمارياً قادراً على خلق فرص شغل مستدامة. غير أن الواقع التنموي لا يعكس دائماً هذه الإمكانات. عدد من الدواوير ما تزال تعاني ضعف البنيات الطرقية، وتباين الولوج إلى الخدمات الأساسية، فيما ظلت مشاريع مبرمجة حبيسة الدراسات أو بطء التنفيذ.

المفارقة هنا أن “جغرافية الفرص” لم تتحول بعد إلى تنمية ملموسة تُحسّن شروط عيش الساكنة بالشكل المأمول.

كلفة اجتماعية صامتة

عندما تتعثر التنمية، لا يكون الثمن تقنياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً. بطالة الشباب في الجماعة، وفق شهادات محلية، تمثل هاجساً متزايداً، في ظل محدودية النسيج الاقتصادي وضعف الاستثمارات المهيكلة. غياب مراكز تكوين مهني قريبة، وصعوبة التنقل من بعض الدواوير، يضاعفان من هشاشة فئات واسعة.

في منطقة تمتلك البحر والفلاحة والمؤهلات الطبيعية، كان من المنتظر أن تتعدد المشاريع المدرة للدخل، وأن تنشأ مبادرات سياحية وبيئية تخلق دينامية اقتصادية محلية. لكن البطء في تنزيل برامج حقيقية جعل كثيراً من الشباب يعيش حالة انتظار مفتوحة، بل إن بعضهم يرى في الهجرة – النظامية أو غير النظامية – مخرجاً وحيداً.

هنا تتجلى الكلفة الحقيقية لأي خلل في التدبير: تضاؤل الثقة، وتنامي الإحساس بالتهميش، وغياب الأفق.

بعد سقوط الرئيس… من يتحمل المسؤولية السياسية؟

التحقيقات الجارية ستحدد المسؤوليات القانونية بشكل دقيق. غير أن النقاش العمومي داخل الجماعة يتجه أيضاً نحو البعد السياسي والأخلاقي. فالمجلس الجماعي، باعتباره مؤسسة جماعية، يتخذ قراراته بالتصويت، ويصادق على الميزانيات والبرامج والمشاريع بشكل جماعي.

هذا الواقع يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أي حد كانت آليات المراقبة الداخلية فاعلة؟ وهل تم القيام بالدور الرقابي المنوط باللجان والمستشارين كما ينبغي؟

في الأنظمة الديمقراطية المحلية، لا تقتصر المسؤولية على من يوقع، بل تمتد إلى كل من يراقب أو يصادق أو يعترض. لذلك، فإن المرحلة الراهنة تفرض إعادة تقييم شاملة لأداء المجلس ككل، بعيداً عن منطق تصفية الحسابات، وبمنطق البحث عن إصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للمؤسسة المنتخبة.

دور السلطات الإقليمية… بين الوصاية وضمان الاستمرارية

أمام هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى عمالة إقليم الجديدة باعتبارها سلطة وصية مكلفة بتتبع شرعية القرارات وضمان احترام القانون. المرحلة تقتضي، بحسب متابعين، تفعيل آليات الافتحاص والتدقيق الإداري، وتسريع كل المساطر القانونية المرتبطة بترتيب المسؤوليات.

غير أن الرهان الأكبر لا يكمن فقط في المحاسبة، بل في ضمان استمرارية المرفق العام وعدم تعطيل مصالح الساكنة. فالجماعة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة ترتيب أولوياتها، وتسريع المشاريع الحيوية المرتبطة بالطرق والماء والإنارة والتأهيل السياحي.

ما بعد الأزمة… أي نموذج تنموي للمهارزة الساحل؟

الأزمة الحالية، رغم حدتها، يمكن أن تتحول إلى لحظة مراجعة إيجابية. فالمهارزة الساحل تملك كل الشروط الموضوعية لتصبح نموذجاً للتنمية الساحلية المستدامة إذا توفرت الإرادة والشفافية وحسن التخطيط.

خارطة الطريق الممكنة تمر عبر:

  • إطلاق افتحاص شامل للمشاريع السابقة وتحديد مكامن الخلل

  • وضع برنامج استعجالي لتأهيل البنيات الأساسية بالدواوير

  • تثمين المؤهلات الساحلية عبر مشاريع سياحة بيئية مسؤولة

  • دعم التعاونيات الفلاحية والبحرية لخلق قيمة مضافة محلية

  • إشراك المجتمع المدني في تتبع تنفيذ البرامج

التنمية لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة اجتماعية ملحة.

نهاية “الشيك على بياض”

الرسالة الأوضح التي أفرزتها هذه المرحلة هي أن الساكنة لم تعد تقبل بمنح ثقتها دون مساءلة. التجربة أثبتت أن الديمقراطية المحلية لا تكتمل فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر يقظة دائمة ومراقبة مجتمعية مستمرة.

المطلوب اليوم ليس فقط تغيير أسماء، بل تغيير أسلوب تدبير، وتعزيز ثقافة الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما يتيحه القانون.

المهارزة الساحل لم تكن يوماً فقيرة في مؤهلاتها، لكنها لم تستثمر بعد كل إمكاناتها بالشكل الذي يليق بموقعها الاستراتيجي. ما حدث قد يكون صدمة مؤلمة، لكنه أيضاً فرصة لإعادة البناء على أسس سليمة.

الرهان الآن هو أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق جديدة، تستعيد فيها الجماعة ثقة ساكنتها، وتُوجّه جغرافيتها لخدمة أبنائها، في إطار دولة تؤكد، يوماً بعد يوم، أن زمن الإفلات من المحاسبة يضيق، وأن التنمية الحقيقية لا تقوم إلا على النزاهة والشفافية وحسن التدبير.

About The Author