ذاكرة “كوتيجا” و”وزين شرويطة”: نهاية حقبة صناعية وبداية فلكلور سكني في قلب الجديدة
في مشهد يمزج بين الحنين إلى الماضي ومتطلبات الزحف العمراني، ودعت مدينة الجديدة إحدى أبرز معالمها الصناعية التي صمدت لعقود؛ مجموعة معامل “مازافيل” (Mazafil)، المعروفة لدى الساكنة المحلية بأسماء شعبية التصقت بالذاكرة الجماعية مثل “كوتيجا” و”وزين شرويطة”. اليوم، لم تعد جدران المعمل المتهالكة كما تظهر في الصور (المرفقة) موجودة، بل حلت مكانها رافعات البناء لتشييد إقامة سكنية عصرية، لتطوي المدينة بذلك صفحة من تاريخها المهني الذي أطعم آلاف العائلات الدكالية.
قلعة “الخيط والقماش”: تاريخ من الإنتاج
كانت مجموعة معامل “مازافيل” رائدة في قطاع النسيج بمدينة الجديدة، حيث تخصصت في إنتاج الخيوط الرفيعة، الأقمشة، والأغطية. وقد اكتسبت لقب “وزين شرويطة” (مصنع القماش) كدلالة شعبية على تخصصها، بينما ظل اسم “كوتيجا” (COTEJA) علامة تجارية محفورة في ذاكرة العمال والزبناء على حد سواء. لسنوات طويلة، لم يكن المعمل مجرد وحدة إنتاجية، بل كان شرياناً اقتصادياً حيوياً يشغل اليد العاملة المحلية، ويساهم في الحركية التجارية للمدينة، قبل أن تبدأ عجلات الإنتاج في التباطؤ نتيجة التحولات الاقتصادية العالمية وتحديات قطاع النسيج.
من أطلال مهجورة إلى ورش بناء
تُظهر الصور الأخيرة للبناية قبل هدمها حالة من “الاحتضار المعماري”؛ جدران متآكلة، نوافذ محصنة بقضبان حديدية (كأنها تحرس ذكريات من مضوا)، وواجهات تحكي قصص سنوات من المجد الصناعي الضائع. هذا الوضع جعل من البناية “نقطة سوداء” في النسيج الحضري للمدينة، مما عجل بقرار الهدم وتغيير طبيعة استغلال العقار. ومع دخول المنعشين العقاريين على الخط، تم هدم الأسوار القديمة التي كانت تفصل بين “عالم المعامل” والشارع العام، لتفسح المجال لمشروع إقامة سكنية، في تحول يرى فيه البعض ضرورة عمرانية لتحديث المدينة، بينما يراه آخرون فقدانًا للهوية البصرية والصناعية للجديدة.
جدل الذاكرة والاستثمار
يثير هذا التحول تساؤلات عميقة لدى المثقفين والمهتمين بالتراث المحلي في الجديدة؛ فبينما يرحب البعض بالمنظر الجمالي الجديد وتوفر السكن، يشعر “الجديديون” الأصليون بغصة وهم يرون معالم طفولتهم وشبابهم تندثر. يقول أحد المتقاعدين من الحي المجاور: “كنا نستيقظ على صوت صفارة المعمل، واليوم نستيقظ على ضجيج ورش البناء. لقد رحلت كوتيجا، ومعها رحل جزء من رائحة القطن التي كانت تملأ الأجواء”.
المدينة التي تتغير
إن هدم معامل “مازافيل” وتشييد إقامات سكنية مكانها هو تجسيد للمرحلة الانتقالية التي تعيشها مدينة الجديدة، من مدينة كانت تعتمد في جزء من هويتها على الصناعة التحويلية إلى مدينة يطغى عليها التوسع السكني والخدماتي. ومع ذلك، سيبقى اسم “وزين شرويطة” حياً في لغة الساكنة، يطلقونه على المكان حتى وإن ارتفعت فيه ناطحات السحاب، فذاكرة المدن لا تُهدم بالجرافات.
