شركة “الجديدة الكبرى للتنمية” بين رهان الإنقاذ وخطر إعادة إنتاج الفشل… من يضع الرجل المناسب في المكان المناسب؟
في لحظة مفصلية من تاريخ تدبير الشأن المحلي، انعقد مؤخرا بالجماعات الترابية جلسات استثنائية للمجلس الجماعي لمدينة الجديدة و الجماعات الترابية، حاملةً على جدول أعمالها نقطة بالغة الأهمية: المصادقة على القانون الأساسي لشركة “الجديدة الكبرى للتنمية”، وهي شركة يفترض أن تكون قاطرة حقيقية لإخراج الإقليم من حالة الارتباك التنموي التي طال أمدها.
هذه الشركة، كما تم تقديمها، أوكلت لها مهام ثقيلة ومتشعبة، من بينها إنجاز مشاريع التأهيل الحضري، وتطوير البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، وتنفيذ برامج الشراكة، فضلاً عن المساهمة في محاربة الفقر والهشاشة، وتأمين النقل المدرسي بالعالم القروي، وإنجاز وصيانة المسالك القروية، إلى جانب القيام بالدراسات والمشاريع المرتبطة بحاجيات الجماعات الترابية.
لكن، ورغم أهمية هذه المهام وحساسيتها، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند النصوص والقوانين، بل ينبغي أن يتجه مباشرة نحو جوهر الإشكال: من سيتولى التنفيذ؟ ومن يملك الكفاءة لقيادة هذا الورش؟
هنا، تبرز مسؤولية عامل الإقليم سيدي صالح داحا بشكل واضح وحاسم، إذ لم يعد مقبولاً الاستمرار في نفس منطق التعيينات المبنية على الولاءات أو التوازنات السياسية. المرحلة تفرض اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، واستقطاب تقنيين ومهندسين ذوي كفاءة عالية، قادرين على القطع مع فوضى مشاريع الجماعات الترابية التي راكمت تجارب فاشلة، وأهدرت الزمن التنموي للإقليم.
إن إقليم الجديدة اليوم في حاجة إلى انطلاقة فعلية، لا إلى شعارات، وإلى قطيعة حقيقية مع مرحلة الارتجال، عبر بناء جهاز تنفيذي محترف، يشتغل بمنطق النجاعة والنتائج، لا بمنطق الترضيات.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على نقطة جوهرية: هذه الشركة يجب أن تكون مستقلة عن المنتخبين والأحزاب السياسية، وأن تنبثق في مرجعيتها وتدبيرها من وزارة الداخلية، باعتبارها الضامن للاستمرارية والحياد، بعيداً عن التجاذبات التي أفرغت العديد من المشاريع من محتواها.
فإذا تم احترام هذه الشروط، يمكن لهذه الشركة أن تشكل فعلاً بارقة أمل، وأن تكون مدخلاً حقيقياً لاستفاقة مدينة الجديدة ومحيطها، وإعادة ترتيب أولويات التنمية بشكل عقلاني ومنهجي.
غير أن المؤشرات الأولى، للأسف، لا تبعث كثيراً على الاطمئنان. فقد أثار استغراب الحاضرين خلال دورة جماعة الجديدة، سلوك العضو المرشح لتسيير هذه الشركة، والذي بدا غارقاً في سبات عميق، غير متفاعل مع مجريات النقاش، ولا مساهم بأي تدخل يواكب حجم المسؤولية المنتظرة، قبل أن “يستيقظ” فقط عند لحظة التصويت.
هذا المشهد، وإن بدا بسيطاً في ظاهره، إلا أنه يحمل دلالات مقلقة، تعيد إلى الأذهان نفس العقليات التي ساهمت في تعثر عدد من القطاعات، وعلى رأسها النقل الحضري، الذي يعاني اختلالات واضحة دون أن يثير ذلك أي رد فعل جدي ممن يتحملون مسؤوليته.
فكيف يمكن الرهان على الإقلاع التنموي، إذا كان من يُفترض أن يقوده غير منخرط أصلاً في تفاصيله؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بجدية المشروع، إذا كانت بوادره تعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الأساليب؟
إن شركة “الجديدة الكبرى للتنمية” يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية… لكنها قد تتحول أيضاً إلى حلقة جديدة في مسلسل الإخفاق، إذا لم يتم الحسم منذ البداية في معايير الحكامة والكفاءة والاستقلالية.
الكرة اليوم في ملعب عامل الإقليم، ليس فقط لتفعيل هذه الشركة، بل لضمان نجاحها، عبر فرض منطق الجدارة، واستبعاد كل من لا يرقى إلى مستوى المرحلة.
