عامل الإقليم سيدي صالح داحا يرفع سقف الحزم: لا تساهل مع تعيينات الولاء والعبث بالإدارة الجماعية

IMG_1959-640x381

لم يعد الجدل المثار حول تدبير الموارد البشرية داخل الجماعات الترابية شأناً إدارياً عابراً، بل تحوّل إلى مؤشر مقلق على أعطاب عميقة تمسّ جوهر الحكامة المحلية وحدود احترام دولة القانون. فحين تصطدم نصوص التعيين بمنطق الولاء والقرب، تُفرَّغ القوانين من محتواها، ويُفتح الباب أمام ممارسات تُقايض الكفاءة بالثقة، والاستحقاق بالانتماء.

معطيات متقاطعة كشفتها تقارير صادرة عن المجالس الجهوية للحسابات، مدعومة بملاحظات لجان مركزية تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية، تؤكد وجود اختلالات بنيوية في تدبير الموارد البشرية بعدد من الجماعات، همّت أساساً مساطر التعيين في مناصب المسؤولية، في خرق واضح لمقتضيات المرسوم رقم 2.21.580 الصادر في 31 غشت 2021، الذي يضبط شروط وإجراءات شغل مناصب المسؤولية بالإدارات العمومية.

وحسب المصادر نفسها، دفعت هذه الاختلالات عمال عمالات وأقاليم بعدة جهات، من بينها الدار البيضاء–سطات، ومراكش–آسفي، والرباط–سلا–القنيطرة، إلى توجيه استفسارات رسمية لرؤساء جماعات ترابية، بشأن تعيين مسؤولين دون احترام المساطر القانونية، أو الإبقاء على تكليفات “مؤقتة” تحوّلت مع مرور الزمن إلى وضع شبه دائم، مقرون بامتيازات واسعة خارج أي سند قانوني.

التقارير الرقابية رصدت، كذلك، لجوء بعض المنتخبين إلى إسناد مهام حساسة لموظفين عرضيين أو لأشخاص من “دائرة الثقة”، دون توفرهم على المؤهلات المطلوبة، مع منحهم تفويضات واسعة استُعملت في تدبير ملفات إدارية ومالية دقيقة، ما رفع منسوب المخاطر المرتبطة بسوء التدبير والانحراف في استعمال السلطة.

ومن بين الممارسات التي أثارت انتباه قضاة الحسابات ومفتشي الداخلية، إقدام رؤساء جماعات، مباشرة بعد توليهم المسؤولية، على تغيير رؤساء مصالح قائمين وتعويضهم بموظفين مقربين، في التفاف واضح على مبدأ تكافؤ الفرص. الأخطر أن صيغة Intérim، التي يفترض أن تكون انتقالية ومحدودة زمنياً، تحوّلت في حالات كثيرة إلى منصب فعلي، يستفيد شاغله من سيارات المصلحة، والمحروقات، والتعويضات، ووسائل الاتصال، دون سند قانوني صريح.

ولم تقف الملاحظات عند حدود المساطر الشكلية، بل كشفت التقارير عن إغراق بعض المرافق الجماعية بأشخاص تم إدماجهم خارج مسطرة فتح باب الترشيحات، مع تسجيل حالات لموظفين صغار أُسندت إليهم مسؤوليات حساسة دون مبررات مهنية مقنعة، ما غذّى شبهات الوساطة والمحسوبية والتحايل على النصوص التنظيمية.

وفي موازاة ذلك، أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة سؤالاً سياسياً مؤجلاً: لماذا يُمارَس تشدد رقابي صارم حين يتعلق الأمر بتعيينات على المستوى المحلي، بينما تُسجَّل مرونة لافتة في تعيينات تتم على مستوى قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية، حيث تُمنح مناصب ومسؤوليات لأشخاص تجمعهم علاقات حزبية أو شخصية بمسؤولين نافذين، تحت عناوين فضفاضة من قبيل “الانسجام السياسي” أو “منطق الثقة”؟

هذا التساؤل لا ينطلق من منطق الاتهام، بقدر ما يفضح ازدواجية في مقاربة الرقابة، تُضعف خطاب ربط المسؤولية بالمحاسبة، حين يُشدَّد على المنتخب المحلي، بينما تُغضّ العين عن تعيينات مركزية تتحكم في قرارات وميزانيات ذات أثر وطني واسع.

ولم تُغفل تقارير التفتيش جانباً آخر لا يقل خطورة، يتمثل في لجوء بعض المنتخبين إلى أساليب ضغط وترهيب في مواجهة موظفين رفضوا تنفيذ توجيهات ذات خلفية انتخابية، خاصة في ما يتعلق بتوقيت تدخلات مرتبطة بالإنارة العمومية والنظافة، حيث جرى توجيه الخدمات إلى أحياء بعينها، مقابل تجاهل حاجيات مستعجلة لمناطق أخرى.

كما سُجلت حالات استعانة بعمال عرضيين “موالين” لتنفيذ تدخلات سريعة في مناطق محددة، بتنسيق مع جمعيات مستفيدة من دعم جماعي، بعد رفض موظفين دائمين الانخراط في ممارسات تتعارض مع مبدأ الحياد الإداري.

وتعكس هذه الوقائع، بحسب مهتمين بقضايا الحكامة، أن الإشكال لم يعد تقنياً أو مسطرياً فقط، بل مرتبطاً بثقافة تدبير تُحوّل الإدارة الجماعية إلى أداة لخدمة الولاءات السياسية والانتخابية. وهو ما يفسر اتجاه وزارة الداخلية إلى تعزيز صلاحيات الولاة والعمال بموجب القرار رقم 1019.24، في محاولة لإعادة ضبط مساطر التعيين والتدبير، وسط نقاش متجدد حول حدود اللامركزية ومآلات ربط المسؤولية بالمحاسبة في المغرب.

About The Author